العدد 2155
الإثنين 08 سبتمبر 2014
ليس “كلّ طراق بتعلوم” غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 08 سبتمبر 2014

عندما أرسل لي أحد أصدقاء الطفولة صورة تعود إلى العام 1976، وكنت يومها في الصف الخامس الابتدائي بمدرسة عمر بن الخطاب، راحت عيناي تتصفحان الوجوه والمكان، وتوقفت عند المكان الذي كانت إدارة المدرسة تمدّ بين الفترة والأخرى بعض المشاكسين والأشقياء لتلقي عقاب “الجحيشة” نظراً لأفعال في المدرسة أو خارجها، الغريب في الأمر أن هذه الوجوه نفسها تتكرر، تنقص أو تزيد، ولكن ربما لا تدخل بينها عناصر جديدة، فكيف لا تتعلم وتتألم جراء هذا النوع من العقاب القاسي؟
أحالني هذا إلى ما تتناقله وسائل الإعلام عن الإرهاب، إذ لم يكن مصطلح “الإرهاب” واضحاً في أي وقت مضى كما وضوحه هذه الأيام، وعلى جميع المستويات الدولية، وهو الذي خرج من رحم أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث انتشر هذا المصطلح، وصار التنطع به ومحاربته الشغل الشاغل للذين يقصدون فعلاً محاربته ووأده في مهده، وأولئك الذين يركضون لدحره وأعينهم على الولايات المتحدة لينالوا منها الرضا بالدور الذي يقومون به، وأياً ما كان الهدف، ومهما كانت النوايا، فإن الإرهاب إعصار أعمى وأهوج، لا يعرف ما الذي يمكن أن يسببه من خسائر، وما يمكن أن يخلّفه من دمار، وأيُّ دمار يمكن أن يقارن بأرواح بريئة تزهق، والقتل على الهوية، والإعدامات العشوائية، والتنكيل بالمختلفين مهما كانت درجات الاختلاف، والعبث بالأعراض، وبثّ الرعب في القلوب، وكل هذا لابد أن يدخل في ثناياه “الإسلام” كأحد مكوناته، حيث لا يجدي محلياً وعالمياً لوك التبريرات والمقولات المستهلكة بأن الإسلام براء من هؤلاء!
محلياً أو عالمياً، وفي أية بقعة من العالم، فإن الفرد لا يمكن أن يتجه للإرهاب، أو يكون إرهابياً إلا إذا وجد البيئة الحاضنة التي تهيئ له أن يكون منحرفاً فكرياً إلى هذا الحدّ، بل تدعوه وتدعّه دعّاً لأن يكون إرهابياً، يستلذّ بالانتقام من الآخرين، ويرى سهولة بالغة في القتل وإراقة الدماء، ولا يجد غضاضة في التشريد والتنكيل والاغتصاب والتعذيب. وهذه البيئات تتنوع وتتشابك لتنتج الإرهابي. منها الجهل والنصيب القليل من التعليم، وبالتالي النصيب القليل من العمل، وما يؤدي إلى النصيب القليل من الرزق، بحيث ينقم الفرد على التفاوت الكبير في المجتمع بين من يملك ومن لا يملك، ويثور السؤال: لماذا؟ ليجد من يتلقفه بإجابات شوهاء تدعوه إلى ما يشبه المشاع في الملكية والغنائم والظفر بكل ما يمكن أن يكون له بالقوة والترهيب، معجونا برضا الخالق سبحانه حين يجري هذا الأمر انتقاماً من “أعداء الرب”، والتنكيل بهم، فيا له من فوز مزدوج في الدنيا والآخرة، ومع ذلك فالجهل ليس دافعاً وحيداً، لأن من بين الإرهابيين أناسا على مستوى تعليم عال، ومنهم من نال أرفع الشهادات، ويكفي أن الرجل الأول الآن في تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، طبيباً جرّاحاً، فلا ينقصه التعليم والمؤهل.
ويأتي الفقر سبباً مرتباً بالتعليم، وكما تقدّم فالفقر وحده أيضاً ليس سببا كافياً لأن يترك الإنسان الحياة الطبيعية من إنجاز وإعمار وإنتاج، ليتحزّم بالرصاص، أو ليفخخ نفسه وهو مبتسم، أليس أسامة بن لادن ثريا ابن ثري؟ فما دخل الفقر في المسألة؟ أو لنعد صياغة السؤال: ما العوامل التي تجعل غنياً وفقيراً يقضيان في أرض المعركة دفاعاً عن فكرة واحدة، مهما اختلفنا وإياها؟
هل هو الفراغ؟ ليس بالضرورة، فهناك، وكما تقدم أيضاً، من ليس لديه الوقت الكافي ليسترخي مستمعاً ومستمتعاً بطنين الصمت والهدوء.
هل حدّة الشباب والحماس؟ ربما أيضاً، ولكن هناك نماذج كثيرة غادرت مرحلة الشباب منذ زمن، وخطها الشيب، ولا تزال كما هي على أفكارها، وحماستها، وتمسكها بما تؤمن به. وربما أكثر من بعض الأغرار من اليافعين الذين يتعرّفون للتو على أفكار إزاحة الآخرين بالقوة.
هل هو اليأس؟ أم هو غياب العدالة؟ توزيع الثروة؟ الفراغ الفكري الذي لا علاقة له تحديداً بالتحصيل العلمي المتخصص، أم ماذا؟ ما الدوافع الحقيقية التي تحول دون أن تنعم هذه المنطقة من جنوب آسيا إلى أطراف المحيط الأطلسي، مروراً بأوروبا، بالأمن والاستقرار، والالتفات إلى ما يمكنه أن يوفر للناس الحياة الحرة الكريمة كما تفعل الأمم الأخرى التي لا تريد أن ينطوي من تحتها بساط الأيام والسنين من دون أن تفعل شيئاً غير التراجع والتدهور والظهور بأسوأ المظاهر والمخابر أيضاً؟
محلياً، أغلق جلالة الملك الأسبوع الماضي نصف الدائرة بالإجراءات التي جرى الإعلان عنها، والأخذ في التعريف بالإرهابيين والأعمال الإرهابية، والحث على سرعة التعامل مع هذه الأعمال الإرهابية، وتغليظ العقوبات على الجناة. وهذه المسألة في غاية الأهمية والحساسية لأنها تطمئن المجتمع بأسره أن من يرتكب عملاً إجرامياً، يخل بالأمن، ويسعى في الأرض فساداً، ويمكن أن تنجم عنه أضرار مختلفة، سواء في الأرواح أو الممتلكات، فلابد أن يجد عقاباً شديداً يتناسب مع حجم الجرم وتبعاته. ولكن لابد أيضاً من إغلاق النصف الآخر من الدائرة، وهو البواعث التي تجعل من بعض الناس ينتهجون هذا النهج المدمّر، والذي من شأنه أن يدمّر حياة الفرد القائم بها، ويترك الألم والحسرة لدى دوائر مختلفة من الأهل والأصدقاء والمحبين، والوطن بأسره، فليس من شك أن انتهاء سيرة فرد واحد، تعتبر فاجعة على جميع المستويات، وهؤلاء يستحقون الكثير من الحدب والبحث حتى يُعلم بالضبط ما الذي يدفعهم إلى القيام بما قاموا به.
إن تشديد العقوبات لابد أن يتساوق ومعرفة الدوافع، والسعي الجدي والصادق من أجل قلب تربة البيئة التي تترعرع فيها هذه النماذج، فلقد أدرك التربويون منذ عقود أن الضرب لا يمكن أن يؤدي إلى الاستقامة، وإلا لاستقام من يُمدّون صباحاً في فناء المدرسة على الملأ لينالوا من العقاب الجسدي ما ينالون.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .