العدد 2151
الخميس 04 سبتمبر 2014
دولٌ بعقلية “الحفيز” غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 04 سبتمبر 2014

ما الذي يحصل عندما لا يجدد متجر ما “فاترينته”؟ أقل ما يمكن أن يحدث أن تخرج المعروضات من دائرة المنافسة، ويعلوها الغبار وإن كانت نظيفة، إذ إنها في نظر البعض تعود إلى زمن مضى، ولا يمكن أن يُقبل على شرائها لأن هناك ما هو أجدى وأكثر تطوراً، وأرخص سعراً، وأفضل أداءً وتجاوباً مع متطلبات العصر ومع بقية الأجهزة التي تستطيع تبادل المنفعة والمهمات معها. يشعر المتفرج على هذه البضاعة من الخارج أنها معروضة للتصفية بسعر بخس، ومع ذلك لا أحد يشتريها، وربما تغزوه أمنية أن يأتي في الغد ليرى أن هذا المتجر أغلق أبوابه، شفقة على ماضيه، وليتوقف عن النزيف اليومي في عدم المحاولة لعمل أي شيء يُخرجه من هذا المأزق، أو لأن عدم المحاولة لأن أصحابه لا يملكون الرؤية، أو لا يدركون أنهم خارج الزمان.
مشكلة هذه المتاجر وهؤلاء التجار، هي مشكلة صاحب “الحفيز”، وهو “الدكان” بلغة آبائنا. إذ إنه في ذاك الزمان لا توجد متاجر بهذا التعدد الهائل، والتنوع الذي يزغلل العيون، فمن أراد بضاعة معينة، فإنه يذهب إلى حفيز حجي فلان، ليجدها عنده. بعض هؤلاء “الحجيج” لا يزالون يعتقدون أنهم معروفون بما فيه الكفاية، يعتمدون على ولاء زبائنهم القدامى، ولا يدركون أن الزمان يتغير بسرعة على المستوى الأفقي من حيث الزيادة العددية، ورأسي من حيث الكفاءة في البضائع، فيتراجعون يوماً بعد يوم إلى خلفية المشهد، وخلفية ذهن المستهلك، حتى لا يعود يتذكرهم أحد.
هكذا هو شأن الدول التي لا تتطور، والتي لا تريد أن تتطور، الدول التي لا تملك الرؤية الواضحة لما تريد فعله في ظل منافسات إقليمية ودولية، أقل ما يقال في شأنها إنها بالغة الشراسة، لأنها تنفق أموالاً طائلة على المستشارين والمخططين الإعلاميين الذين يحيلون كل زاوية فيها إلى “فرصة” من نوع ما، ويرفعون قدرها، ويموقعونها بين الأمم، وهم في الوقت نفسه، وبشكل مباشر أو غير مباشر، يعملون على إهالة التراب على الآخرين حتى لا يبدو أي بلد غير بلادهم في المشهد العالمي العام. ولا أحد يمكن أن يلوم من يعمل، ومن يريد أن يتحرك إلى الأمام، ولا يمكن أيضاً أن يُطلب منه التوقف أو التريث لأن هناك عجزة ومصابين بأدواء مختلفة تجعلهم يحبون أو يزحفون أو يراوحون مكانهم يريدون اللحاق به، فهذه ليست طبيعة السباقات بكل أشكالها، فإما أن تعدّ العدّة وتهيئ أسباب النجاح بقدر الاستطاعة، وإما أن تبقى في مدرجات المتفرجين الذين لا يخرجون من هذه السباقات إلا بالاستمتاع بما يفعله الآخرون، فهم يخرجون كما دخلوا الملعب!
يمكن تقسيم ما تعاني منه الدول المرتبكة في مسألة التموقع العالمي إلى ثلاثة أقسام: الأول دولٌ لا تمتلك رؤية، بل تظن أنها بخير، وأنها لا تزال كما كانت في السابق (شأنها شأن صاحب الحفيز)، وأن التاريخ يقف معها، فلا تزال “تجترّ” سمعة ولّت، وتأكل يومياً من أرصدتها ومخزوناتها في أذهان المستثمرين والسياح والمتعاملين. دول لا تبادر وتتحدث عن تحديث وتطوير، ولكنها تنتمي إدارياً إلى أكثر من نصف قرن مضى، تهلل وتطبّل لأنها وضعت قوانين وتشريعات جرى تجاوزها مرات ومرات من قبل منافسيها، فهذه دول لا تدري، ولا تدري أنها لا تدري.
والنوع الثاني من الدول المرتبكة، ذلك النوع الذي يُحدث الأمل في الناس، بما لديه من خطط واستراتيجيات ورؤى مستقبلية، ويجتهد، وما كل مجتهد مصيب، فيجري إنفاق الأموال، والإتيان بالخبراء والمخططين، ويكثر على طاولاته ذوو السُّحن الغربية، ويقل تواجد أهل البلاد في هذه الهيئات العليا التي تهندس مستقبل البلاد، لأن في منظور متخذي القرار، أن لو كان في أهل البلاد خيرٌ لفعلوا ما يفعله الأجانب أصحاب الخبرة والباع الطويل، والجيب الفسيح. وبعد محاولات وجهاد مرير، ودويٍّ يصمُّ الآذان لآلام المخاض، تتولد الخطة أو الاستراتيجية التي تجري طباعتها بين دفتي قطيفة حمراء، دليل الفخامة، ويجري الحديث عنها، وتكرارها حتى الثمالة في جميع المحافل. وحتى يُري أي مسؤول، صغير أم كبير، متخذي القرار، أنه متماشٍ مع ما يجري في البلاد، فلابد أن يُقحم ذكر هذه الاستراتيجيات في ثنايا حديثه، سواء كان المقام يتسع لذكرها أو يضيق. فيمسح الجميع عرقهم، ويهنئون بعضهم على إطلاق الاستراتيجية، ويتناولون العصائر، ويذهبون إلى أهلهم يتمطّون، فلقد انتهت المهمة، وفي الحقيقة إنها تكون قد بدأت للتو. فتمضي السنون والحديث يدور عن الاستراتيجية، بينما لا آليات واضحة وحقيقية وصارمة، ولا تأهيل جدّي وقوي للجميع ليعملوا بها حتى تحقق أغراضها، وتصل إلى نجاحاتها المرجوّة.
وقسم ثالث من هذه الدول لا يغادر سنته الأولى، أو مراحله الأولى. فكلما تغيرت الحكومات، وتغيّر المسؤولون، تمت إزالة جميع الملفات السابقة، والخبرات السابقة، والإنجازات السابقة، واتًّهم من كان يعمل قبلاً تهماً مختلفة كلها تصبّ في خانة “الخلود” للمسؤول الحالي، وأنه هو من سيملأ جهة عمله عدلاً بعد كل الإخفاقات التي حدثت، فيجري كنس المرحلة السابقة تماماً، والبدء من نقطة الصفر، ويكتشف كثير من المسؤولين أنهم إنما أعادوا فعل ما فعله أسلافهم، بل وربما بشكل مشوَّه أحياناً، وهذه بعض صفات الدول التي تراوح مكانها في حين أن الآخرين قد قطعوا من السباق أشواطاً.
ومادمنا في ذكر “السباقات”، فهناك كثير من المتسابقين والمتنافسين يلجأون إلى صفع أنفسهم قبل الانطلاق! تبدو الحركة مفاجئة وغبية وربما مضحكة، ولكنها صفعات تعمل على تنبيه جميع حواس المتسابق إن أراد تحقيق أفضل النتائج... الدول أيضاً بحاجة لأن تصفع أنفسها، وترى حقيقة موقعها، حتى لا تكثر صفعات الآخرين لها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية