علينا أن ندع لبعض الوقت الجدّ من الكلام، لأنه لا يورث إلا الهمّ والغمّ، والدراسات العلمية دأبت على تبيان ما للهموم والنكد من انعكاسات سلبية على الصحة العامة، بل إنّ النكد من أسباب قصر العمر، والعمر لا يقصر فجأة، إنما تغزوه الأمراض، ويعيش الإنسان متنقلاً بين عيادة وصيدلية ومستشفى ومستوصف، وتثقل موازين الحبوب لديه، وتخرّق جلده الحقن والإبر بأنواعها، فلا عاش الهمُّ، ولا دام النكد، ولا دخل القلق إلى أحدنا من أيِّ مدخل.. ولِمَ كلُّ هذا مادام ما باليد حيلة لتغيير الواقع؟.
لذا، قررت – بعد التوكل على الله – أن أذكّر قرائي القلائل الكرام، بقصة رُويت لهم في سالف العصر والأوان، أيام ما كانت هناك حكايات تروى، وقصص تُحكى، قبل أن يأتي هذا اليوم الذي يقدِّم كل شيء للطفل قبل أن يشغّل خياله، ويسرح في عوالمه، حتى صارت خيالات الأطفال متشابهة، معلّبة، تأتي من بلاد العمّ سام، وجماعتنا من كل مستوى المسؤولية نيام.
إنها قصة القطتين، وإن اختلفت الأسماء، ففي كل بلد يُطلق عليهما من الأسماء ما يتناسب معهما، ولأننا في هذا البلد الكريم، فيمكن أن نسمي إحداهما سناء، والثانية شيماء، أخذاً بالسجع والإيقاع. فهاتان القطّتان وُلدتا معاً، وفتحتا عينيهما لتجد الواحدة نفسها أمام الأخرى، فقادتهما براءة الطفولة، وسماحة العيش، وصلات القربى بين الأمهات والآباء، إلى أن تشبّا معاً، وتلهوا معاً، وتتقاسما الألعاب معاً، ويحدث أن تضربا بعضهما البعض، وأن تخربش إحداهما الأخرى، وأن تغضبا غضب الطفولة، ولا تكلم إحداهما الأخرى لبعض الوقت.. ولكن دائماً حكمة الآباء تسارع في إعادتهما إلى ما كانتا عليه، فكيف لهما الاستغناء عن بعضهما؟
لكن الأيام تتقلب، والفصول تتعاقب، ويكبر الصغار، ويضيق عليهما الدثار، ولا تعود القطتان قادرتين على أن تناما في السرير ذاته، فلقد صار لكل منهما صفاته، ولكل قطة أحلامها التي تسعى إليها، وطريقها التي تودّ أن تكون عليها... ولكنهما مع ذلك ظلتا معاً نِعم الصديقتين الوفيتين. خصوصاً حينما انتبهتا أن لم يعد الآباء على قيد الحياة، وليس لخصام الطفولة محلّ إن أرادتا النجاة، وليس لهما غطاء ولا سقف إلا علاقتهما الأثيرة، تحميهما من وحشة الليل وحرّ الظهيرة.
وفي شتاء إحدى السنين الكئيبة، مصيبة حلّت بأهل البلاد ليست كأيّة مصيبة. فلم تعد الأموال تكفي العباد، ولا من المؤن ما يسدّ رمقهم إلا بالكاد. فلقد حلّ بهم القحط الشديد، والجدب العظيم الأكيد. وصار الجميع يتضوّر جوعاً، وبكاء الأطفال يشعّ من النوافذ ويزيد الموقف خشوعاً. والرجال قد أسندوا رؤوسهم إلى أكفّهم، وهم جالسون أمام منازلهم، يتفكرون كيف يدبّرون الأمر، وكيف يذبّون عن أبنائهم شبح المرض والموت والصرّ.
وكان هذا حال شيماء وسناء، فلقد لحق بهما ما لحق بالعالم من البلاء، وضاق بهما الحال وانسدّت أمامهما الأجواء. فطافتا البلاد بحثاً عن شيء يصلح للأكل، بعد أن اضمحلّ الجسم وذهب العقل. فإذا القمامات خاوية حتى من الروائح، لا يقربها الغادي والرائح. فلا يكاد شيء من الأكل يفيض، بل هو في الشحّ إلى النقيض. حتى في براميل بيوت الرفاه والعز، صارت كسرة الخبز مما يعزّ. فإذا ما تفضّل شيء يسير من بقايا الطعام تقاتل عليه الناس وتكالب عليه العوام، ودارت فيما بينهم الشحناء وارتفع السباب، فما الذي يمكن أن يبقى للقطط والكلاب؟!
لكن الله تعالى قد تكفل برزق من رفع السؤال، فوفّر للقطتين شيئاً لم يخطر لهما على بال. إذ كان أحد الصبيان يركض مسرعاً وفي يده بعض الطعام، يريد أن يصل به إلى منزله بسلام، بعد أن أمن أنه مختفٍ تحت جنح الظلام. ولفرط العجلة الشديدة، وقعت منه دون أن ينتبه قطعة جبن عتيدة. فنظرت إلى بعضهما سناء وشيماء، ثم إلى الهبة التي أتت من السماء. انقضّت القطتان على قطعة الجبن كالبرق. تأكدتا أن أحداً لم ير الجبن، وإلا ستعودان ككل ليلة لأكل التبن. فعضّت إحدى القطتين على الجبنة بالأضراس، وبقيت الأخرى تقوم بعمل الحرّاس.
وفي المنزل انتصب داء الطمع، وسرى بين الشريكتين سرطان الجشع، فمن حملت القطعة تريد نصيباً أكبر، ومن أمّنت الطريق تطمع في القطعة الأوفر. فدخلتا في مواء وعويل، وشجار بين البراميل، وإذا بالقرد العجوز يمرّ فيسمع أصواتاً تصاعدت في الآفاق. فيدرك بخبرته أن لا خلاف ولا صراع في هذه الأيام إلا على ما قلّ من الطعام، فهيّأ نفسه لدور الحُكام وخلع عنه رداء اللئام. ودخل عليهما مستفسراً، فشرحتا له ما حدث فغدا مستبشراً. أرخى القرد جفنيه وحكّ ذقنه، وبدا متفكراً، وهما تنظران إليه بوصفه حكيماً طاعنا في السن متبصّراً. فلابد أن يكون حكمه عدلاً، وقوله فصلاً. أمر بقطعة الجبن فوضعها على الميزان في مهابة، وكأنها سبيكة ذهب أخذت لبابه. ليقسمها بينهما بحسب الطلب، والإنصاف للجميع لا لمن غلب.
إلا أن القطعة لم تنقسم بالتساوي، وبات أحد جانبي الميزان ثاويا، غضبت شيماء لأن قطعتها أصغر، وراحت تموء كلبؤة تزأر. فابتسم بثقة القرد المحتال، ووعدها بتلبية مطالبها في الحال. فقضم من حصة سناء، حتى صارت حصتها أصغر من حصة شيماء. فشُدهت سناء من هذا الظلم، وهي تظن أن القرد من أهل العلم. وقررت أن تقوم بما قامت به شيماء قبل قليل، فالدرب إلى نيل الحقوق طويل. فأشار إليها القرد لتسكت لأنه سيحل المشكلة، فقضم من نصيب شيماء قدراً أكبر فتعقدت المعضلة.. فعاودت شيماء التبرم والمواء، وكفتا الميزان تعلوان وتهبطان دون استواء، وما ان تفرح قطة لثانية، حتى ينقلب فرحها نكداً ثانية.. وانتهت قطعة الجبن في بطن القرد اللئيم، وبقيت شيماء وسناء في الكرب العظيم. تسلل القرد خارجاً بخفته المعهودة، وترك القطتين إلى اليوم تتلاومان على ضياع الجبنة المنشودة.