العدد 1696
الخميس 06 يونيو 2013
في تركيا تتسع دائرة الحريق غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 06 يونيو 2013

ما إن خلت الساحة السياسية الإقليمية من لاعبيها الرئيسيين، أو من كانوا مرشحين لأن يكونوا اللاعبين الرئيسيين، حتى انبرت تركيا في زيّها الإسلامي الجديد لتدخل في المعادلة الإقليمية بقوة هائلة ضاربة، مستفيدة من عدد من العوامل المهمة، منها إسلاموية حكومتها، والنمو الاقتصادي القوي الذي تحقق في السنوات الأخيرة، ومعرفة ما الذي يحتاجه جيرانها في الجنوب، وذلك بعد أن أصابها شيء من اليأس من جيران الشمال المتنمرين، والمتطلبين، والذين استنفدوا جميع الحجج لقبول هذا البلد الإسلامي في الاتحاد الأوروبي، فرأت تركيا أن لا تهدر سنوات أخرى في التزلّف للأوروبيين الذين لن يتآخوا معها، فاندفعت جنوباً.
كادت تركيا أن تجتاح سورية في الأعوام الأولى من القرن الحادي والعشرين، ولو أرادت لفعلت، ولما استطاع الجيش السوري المهلهل من حيث الإمكانات أن يقف في طريقها. كانت التقديرات العسكرية تشير إلى أن اجتياح سورية لن يتجاوز الساعات الأربع فقط. والسبب في ذلك الدعم الذي كانت يقدمه النظام السوري للمعارض الكردي التركي عبدالله أوجلان قبل إلقاء القبض عليه في 1999 في كينيا في عملية نفذتها وكالة الاستخبارات الأميركية ووكالة الاستخبارات التركية بمساندة الموساد، لينقل جواً ويحاكم في تركيا.
رأت تركيا أنه يمكن أن تأخذ مكان إيران الشاه في السبعينات، أو عراق صدام في الثمانينات، وذلك لسد الفراغ الذي لا بد من أن يتقدم أحد لسدّه، ولتكون المهيمن والضامن والسيد الباسط نفوذه على المنطقة، والمعروف أن من يبسط النفوذ ويفرض السيطرة، تكون له أيضاً حقوق وامتيازات إقليمية وعالمية، وأهم هذه الامتيازات هي الامتيازات السياسية والاقتصادية.
المفتاح في المنطقة هي “إسرائيل” التي اصطدمت تركيا معها في أكثر من مرة، وأكثر من شكل حتى في الشكل الدرامي التلفزيوني، وراحت ضحية الصدامات أرواح تركية، خصوصاً في سفينة “مرمرة” التي أرادت – رفقة أسطول بحري – كسر الحصار المفروض على غزة، وتفاقمت المسألة وظن الظانون أن حرباً ستقع بين الطرفين إزاء هذه الهمجية والعنجهية الإسرائيلية، ولكنهما منذ أيام قليلة قد قاموا بتصفية المسألة وتوصلوا لبعض الحلول التي من خلالها يتوقف الطرفان عن المبالغات بالتلويح إزاء الآخر، والظهور بمظهر الأعداء المقتربين جداً من المواجهة العسكرية بعد استنفاد المواجهات الدبلوماسية والإعلامية وغيرها.
وما إن اشتعل فتيل الأزمة في سورية، حتى انبرت تركيا من بين أوائل الدول – إن لم تكن أولاها على الإطلاق – التي تحدثت بشكل صريح لما يجب – من وجهة نظرها – أن يحدث في سورية، من استقالة الرئيس، ورحيل النظام. واحتضان العدد الأكبر من النازحين السوريين الفارّين بما خف حمله ورخص ثمنه، تاركين وراءهم أحلامهم وغدهم. وسرعان ما رتبت تركيا أوراقها في هذه المتغيرات الكبيرة التي أسمتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس “الفوضى الخلاقة”، فأنهت الخلاف مع إسرائيل، وسحبت من عبدالله أوجلان، المعتقل في سجونها، دعوة لمقاتلي حزبه (حزب العمال الكردستاني) في مارس 2013 بإلقاء السلاح والانسحاب إلى شمال العراق، حتى تتفرغ مجدداً للدور العربي.
إن الحديث بلسان كثير من المحللين الاستراتيجيين العرب، وبطريقتهم المشابهة للاعبي “الثلاث ورقات” المصرية، سيجعل الأمر معقدا أكثر. فهؤلاء المحللون يعمدون إلى الوقائع البعيدة التي لا تخطر على قلب بشر حتى يشكلوا منها قصة حالية أو مستقبلية، ويمكن لأي “شاطر” أن يربط الحوادث وينسج القصص، حتى وإن لم يكن كثير التبحّر في الشأن الذي يتحدث فيه، خصوصاً عند الحديث في المستقبل. وكل ما يفعله المحللون هو رسم سيناريوهات، إما أن تصيب وإما أن تخطئ.
الآن لنتتبع ما الذي يحدث في تركيا، وما الذي يحدث لدينا من تطورات وتصورات لأنها جميعا مرتبطة ببعضها بعضا. فلقد أنكر التركي رجب طيب أردوغان أن يكون للحراك التركي الأخير أية علاقة بالربيع العربي، وبالتالي فإن هذا ليس ربيعاً تركياً، لأن ما حدث في الدول العربية كان نتيجة لانعدام تعدد الأحزاب، وهو الأمر المنتفي في المسألة التركية. ولكنه في هذا السياق نسي أن جمهورية مصر العربية تتمتع بالتعددية الحزبية، وإن كانت صورية آنذاك لأن نتائج انتخابات الرئاسة والمجالس التشريعية كانت محسومة سلفاً. وأن “الربيع” كمصطلح لا يعني فقط تغيير نظام الحكم، ولكنه في الأساس الذهاب إلى سبل عيش أفضل تتوافر فيها اللقمة والحرية والكرامة، ومتى ما اختلت هذه المقوّمات صار حريّاً بالنظام أن يتنحى أو تتم تنحيته لإفساح المجال أمام الجهات الأخرى حتى تأخذ حظها من الإدارة لعلها تستطيع بلوغ أهدافها وهي في الأساس رفاه الشعب.
أما لدينا، فإننا – واسترسالاً لما تم طرحه في هذه الزاوية في المقال الماضي – فإن الأطراف جميعها تواصل رسم الخريطة السيا- طائفية من حيث الولاء والبراء، فمن يؤيّد إيران يؤيّد حزب الله يؤيّد النظام الحاكم في سورية، ويعارض حكومة تركيا الحالية. وفي المقابل، فإن من يؤيّد المعارضة السورية المسلحة يعادي إيران وحزب الله، ويمالئ الحكومة التركية ويبارك لها خطواتها! حتى صار فك الارتباط بين السياسي والطائفي من المسائل المعقّدة التي لا يجرؤ أصحاب العقول المقولبة القيام بها.
الطرفان البحرينيان المؤيد والمعارض لما يجري على الساحة السورية وتداعياتها، يدّعيان إعمال العقل والمنطق والأخذ بالحق والدوران معه، والعمل بمبادئ الديمقراطية، الشماعة التي يعلق عليها الجميع خطاباتهم ويتعلقون بها. صحيح أن الحق والباطل من الأمور النسبية، ولكنها متى ما تعلقت وارتبطت وانعقدت بالطائفة، صارت من الأمور التي يغيب فيها التفكير، وينعقد فيها اللسان، فالغلاف الطائفي أسمك من أن يُخترق أو تتم زحزحته ما دام هو الغذاء اليومي لمجمل صراع الوجود كما يتخيله المتطرفون من جميع التوجهات.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .