العدد 1693
الإثنين 03 يونيو 2013
المعارضة: الضرورة اللازمة لصحّة جسد الدولة غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 03 يونيو 2013

لا أعتقد أنه من الحكمة ولا من الحصافة أن يتساءل بعض العاملين في الحقل السياسي المحلي عن جدوى وجود جمعيات سياسية، لأن هذا التساؤل بحد ذاته ينسف المشروع الإصلاحي الوطني لجلالة الملك، وللتجربة البحرينية بشكل عام. إلا أن قصار النظر يطرحون اليوم، وفي أكثر من اتجاه وصعيد هذا التساؤل، من دون التطلع إلى ما تفعله المعارضة في الحراك السياسي العام في أية دولة كانت.
فلقد استلهمت الدول العربية التجربة الشيوعية بشكل لافت، سواء كانت تؤمن بهذا التوجه أم لا تؤمن به. التوجه الذي يسحق كل الأصوات ما عدا صوته، ويبدأ في تخليق صنم النظام، ويتطاول البنيان، ويصل إلى اللحظة التي ينهار فيها، حيث أن قواعد هذا البنيان وجماهيره تئنّ من الضعف والوهن والجهل والمرض والخوف والجوع، وكل أنواع الأوبئة الاجتماعية التي أورثها الصمت أو «التخريس». هذه التجربة التي استلهمها الاتحاد السوفيتي من تكوين كارل ماركس الذي غدا ضيّق المزاج أكثر وأكثر كلما تقدم به العمر، وطبّقها الآباء المؤسسون للدولة العظمى القصيرة النفس (1917-1991)، وسارت على إثرها دول المعسكر الشرقي، التقفتها الأنظمة العربية منذ ذلك الوقت، لأن صدرها يضيق بمن يعارض، أو يأتي برأي، مجرد رأي لا يرتضيه أولو السلطة والسطوة والحظوة والمستفيدون وأصحاب مقولة «الله لا يغيّر علينا»، فانتهت تجارب الاتحاد السوفيتي إلى ما انتهت إليه هي ومعسكرها الذي ارتمى بكل ثقله في أحضان المعسكر الغربي، أو الولايات المتحدة في الأساس، بينما دول أخرى، ومنها العربية، قد واجهت وتواجه اليوم مصيراً شهدناه معاً. لننظر إلى عراق البعث أين انتهى به المطاف، وإلى سورية البعث وما الذي حلّ فيها، وإلى تونس المخابرات والعصا الغليظة، وإلى مصر التي أريد لها أن يعيش شعبها مربوطاً في طاحونة البحث عن النجاة بالحصول على الفتات من سعيه اليومي العبثي للحصول على بعض الرزق، ويمن سجون المعارضين وأصحاب الرأي... ولنتعلم: أفلم تكن الأمور أفضل لو كانت هناك معارضة في هذه البلدان؟ معارضة تدلّ أصحاب القرار على وجود الأخطاء ومكامن الخلل، بدلاً من سكوت الموالين عليها حتى تتصدع ويخرّ السقف عليها؟
حسنٌ.. سيقال أن المعارضة في هذا البلد أو ذاك غير وطنية! ونعيد التكرار لمرات ومرات، أن من يثبت عليه بالدليل القاطع، والبرهان الساطع، عدم الوطنية، والإخلال بها، وبتعاطيه غير القانوني، والخارج عن الأعراف مع الخارج، أيّاً كان الخارج، سواء كانت دولة صديقة أو شقيقة أو جارة؛ فلينل حظه من العقاب إنفاذاً للقانون، ولكي لا توصم الدولة بـ «الجبن الإداري»، وهو أمر يروج اليوم كثيراً في جميع الصحف المحلية، وفي أكثرها ادّعاءً بالدفاع عن الدولة والنظام القائم هنا، فإنها ترمي الدولة بالكثير من التهم، والتهكّم، بما لا يتناسب مع ادّعائها، ومع ذلك، فإن الاتهامات تتطاير في الهواء، والتلويحات تزداد، وأصابع السبابة تهتز صاعدة نازلة في اتجاه المعارضة السياسية، ولكن لا حركة ولا حراك لنستبين ما إذا كانت هذه المعارضة مرهونة للخارج حقيقة، أم أنها من ألاعيب السياسة في الضغط للحصول على ما يريده كل طرف.
ومع بُعد التشبيه، ومع الاحتفاظ بالألقاب والمقامات والاحترام اللازم والواجب؛ فإن علماء الأحياء اكتشفوا منذ منتصف القرن التاسع عشر أن حقن الجسم بفيروس أي مرض، يقي الجسم من العلة، ويمنحه مناعة ضده، وبفضل هذا الاكتشاف الذي يُعدّ الفرنسي لويس باستير، رائداً من روّاده، تم القضاء على الكثير من الأمراض والجوائح التي تهدد البشرية. وكذلك جسم الوطن، فإن وجود معارضة فيه، يعتقد البعض أنها مرضاً، وأنه من الممكن، بل من الواجب التخلص منها على اعتبار أنها تفتّ في عضده، وتجرّه إلى حيث الدمار والضعف والمرض؛ هو وجود مفيد، لأنه يطلق العقول في اتجاه تصيّد الحلول وليس تصيّد الأخطاء، ومجابهة التحديات التي تفرضها عليها المعارضة بين الفينة والأخرى، وينشّط جسد الوطن خلاياه وأعضائه من أجل أن يكون متحفزاً، وليس متورّماً ومحتقناً، بل يكون واعياً، لأن الحراك التي تديره المعارضات في أي مكان، من شأنه أن ينبذ الكسل عن المؤسسات الحاكمة، ويجعلها أكثر شفافية وابتعاداً عن أية شبهة فساد مالي أو إداري، لأن الوعي بوجود مراقبين عليه، له أثر كبير، صدقاً، على تجنب، أو على الأقل استسهال ارتكاب الخطأ، وليس الوقوع فيه بشكل عرضي كحال أي إنسان. صحيح أن المعارضة ليست أمراً طارئاً، وليست آتية من خارج الجسد الوطني، ولكنها تعمل عمل المحفزّات للمضي إلى الأمام، وتقي الوطن أمراض التبلّد، وتعمل على استنهاض الهمم، في طريق تعمل فيه المعارضة عمل الإشارات الضوئية التي توقفه أحيانا ليلتفت ما إذا كانت هناك أية مخاطر يمكن تفاديها حتى يواصل السير مجدداً.
إن القبول بالدخول في الديمقراطية، وهو ليس بالخيار في الوقت الراهن، لا يمكن أن يكون انتقائياً، لأنه يعني – من ضمن ما يعنيه - القبول بكل ما في العملية من شروط ومعطيات. ومن ضمن هذه الشروط أن يكون هناك أناس لهم رأي، وأناس يخالفونهم الرأي، يتدافعون ويتحاجزون ويتناجزون ويحيلون الصراعات التي جُبلت عليها البشرية إلى شكل عصري من أشكال الصراع بالأفكار لا بالأيدي ولا بالسلاح. وتحدث إخفاقات في مسيرة كل ديمقراطية، وتحدث انحرافات، ويخطئ أناس، حتى في أكثر الديمقراطيات عراقة، وأغزرها تجربة، ولكن المسيرة تصحح ذاتها، وتعود إلى جادّة الصواب، وتبدأ من جديد، من دون التخلي عن أي فصيل في الوطن، ومن دون الدوران إلى الخلف.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية