العدد 1675
الخميس 16 مايو 2013
هذا طحيننا... هنيئاً لهم غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 16 مايو 2013

قد يكون متأخراً (بعض الشيء) الحديث عن موضوع جرى طرحه في الصحافة المحلية هذا الأسبوع، ولكنه سيظل “ذريعة” للدخول من خلاله إلى ما أدمنّا الدخول إليه ومنه إلى قضايانا التي لا تريد تحويلاً ولا تبديلاً، مع إيمان مطلق بأن “كثر الدقّ يفك اللحام” ولكنه فيما يبدو لحاماً قوياً ازداد صلابة على مرّ الأيام والسنين على غفلة أو تغافل من الناس.
والمقصود بحديث اليوم هو تلك الدراسة التي نشرت عن التوزيع الطائفي للوظائف في عدد من الوزارات في البحرين، لإثبات موضوع ونفي موضوع آخر، صار من كثرة ما تردد كأنه الحقيقة الدامغة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
لقد نشرت الصحف ما يفيد بأن هناك أرقاماً تدحض قول كلام شعبي باستبعاد طائفة من الوظائف، والوظائف العليا، أو أنها مقصيّة من بعض الوزارات. وجاءت الأرقام والنسب والرسومات البيانية لتعزز هذا القول المدعّم بما نشرته الدراسة عن التوزيع الطائفي في وزارات وشركات كبرى ومؤسسات في القطاع الخاص، فهل كان ردّ الدراسة هو “القول الشافي” في هذه القضية؟ بالطبع، وبكل ثقة يمكن القول وبصوت لا يتلجلج: لا. فهذه الدراسة ستوضع في خانتها المناسبة لدى كل متحمس طائفي يريد أن يقرأها بالشكل الذي يناسبه، فهذا “هابيلنا” سيستخدمها لنفي ما يدّعيه “قابيلنا”، و”قابيلنا” سيشكك في الدراسة التي يهلل لها “هابيلنا” (مع عدم اليقين التاريخي بمن ذا الذي مدّ منهما يده إلى أخيه ليقتله)، وتستمر الجهود الضائعة في الهواء، والأموال المتسربة إلى الخواء، إلى حيث المجهول، من دون فائدة. فإذا كانت لجنة دولية مؤلفة من كبار القضاة والمحققين على مستوى العالم، والذين عالجوا أصعب القضايا وأكثرها تعقيداً ودموية، كالحروب الأهلية التي اندلعت إثر تهاوي المعسكر الشرقي في بداية العقد الأخير من القرن العشرين، واجهتها الشخصية البحرينية الفريدة بالأسلوب والشكل ذاته الذي تواجه به قضاياها، فاستلمت تقرير ما عُرف بـ “لجنة بسيوني” وقامت بانتقاء ما يفيدها ويدعم موقفها فقط، كما ينتقي المشتري “اللوز” البحريني، ولم تر في “السبّاق” لوزاً غير الذي اختارته، فكيف الحال بدراسة أتتنا من حيث لا نعلم؟!
إن الدراسة المنشورة هذا الأسبوع بالنسبة لي (وهذا رأي شخصي لا ألزم به أحداً)، ليست أكثر عمقاً وعلمية من دراسات (على النقيض تماماً) أجريت هنا في البحرين في السنوات الأولى من القرن الحالي، وتشير إلى عكس ما ذهبت إليه هذه الدراسة، وتدّعي أيضاً أنها تتحدث بلغة الأرقام والحقائق والأدلة والبراهين، ولكم ما شئتم من هذه التأكيدات الخاصة بالنزاهة والشفافية والحيادية والعلمية، فكما يقول الفلسطينيون “لا أحد يقول عن زيته عكر”، وكلٌّ يدّعي وصلاً بالحقيقة (ليلى)، وليلى لا تقرّ لهم بذاكا. لأن المنطلقات غير سليمة ومشوهة وغير بريئة ولا تمت إلى العلم بصلة، بل صلاتها وحبالها ممتدة إلى نوازع سياسية وذاتية وعقائدية وطائفية وغيرها، فإن نصيبها من التصديق لا يتعدّى جمهورها الذي يؤمن بها سواء خرجت بدارسة بين دفّتين، أو حتى بدفّتين بينهما أوراق بيض... لا يهم. فلقد توصل كثير من علماء الاجتماع والإعلام منذ أكثر من سبعين عاماً إلى أن الجمهور في الغالب لا يتعرّض إعلامياً إلا لما يميل إليه، ولا يتصفح صحيفة، أو يطالع برنامجاً سياسياً بقصد الاستفادة، بل بهدف تأكيد قناعات مترسخة ومتجذرة لديه، ولهذا أقول، إن هذه المحاولة اليوم، والمحاولة تلك التي تمت قبل عشر سنوات تقريباً من اليوم، وإن اختلفت اتجاهاتها، وتباينت جماهيرها، فهي لا تعدو دوراناً في الفلك نفسه: فتلك الرسالة الذاهبة إلى من يريد تصديقها لتعينه وتزوّده بما يقوّي إيمانه، والمرفوضة من قبل الجمهور الذي يصمّ أذنيه، ويغلق عينيه عنها قبل أن يفتحها فقط لأنها لا تخدمه.
فخلال الأسبوع هذا، ومنذ أن نشرت هذه الدراسة، لم أقرأ حرفاً واحداً في ردود الفعل عنها خارج التوقعات، فهذا الطرف يكذبها جملة وتفصيلاً ويشكك فيها “من ساسها إلى راسها”، ويستخف بما جاءت به. وذاك الطرف يرى فيها الفتح المبين لهواجسه التي كان يديرها داخلياً من دون البوح بها أو يبوح بها من دون أن يجأر، أو يجأر بها من دون أن يكون ملحاحاً فيها... وهكذا تدور القصص لدينا من دون أن تتوقف الرحى ونستعيد نعمة العقل التي وضعناها اختياراً على الرف حتى ننهي هذا الدوران.
مشكلتنا الأساسية التي لا نريد أن نعيها، هي أننا (ويا لبؤس هذا التصنيف) كطائفتين كبريين في هذا البلد، وجدنا أنفسنا مربوطين في حجر الرحى، كلٌّ في طرف، هذا يرى ظهر ذاك وبالعكس، وسواء أراد “هابيل” أن يلحق “قابيل” أو أراد “قابيل” أن يهرب من “هابيل”، سيان، فلا أحد سيحقق مراده، لأن المسافة ستظل واحدة، ويراد لها أن تبقى واحدة، فهذا هو همّ “الرابح الأكبر” من هذا النزاع الذي لا ينتهي، والذي نسهم فيه بكل جدّية... الأهم أن تدور الرحى أسرع كلما ازداد حماسنا أكثر، وبالتالي يزداد الطحين الذي لا نذوق منه شيئاً، ولا نصيب لنا فيه ولا حظ سوى الإنهاك والمزيد من التكاثر من أجل الإسهام في إنتاج طحين ذواتنا وأخلاقنا وأعصابنا وطاقاتنا، الذي نجتهد أن يكون أفخر ما يكون من أجل تغذية و”تسمين” المستفيدين منه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .