في مسيرة الحوار الوطني الدائر حالياً في البحرين، وضح أن المشكلة التي يحاول البعض التغاضي عنها، أو الالتفاف حولها، أو الالتفات عنها، هي “الثقة”، التي تبدو في أزمة، مما يجعل الحوار يدور إلى الآن في فلك “أزمة الثقة” المتبادلة بين الأطراف الداخلة في هذا الحوار.
الأطراف المتحاورة والمتجاورة حالياً، تفصل بين قلوبها وأفكارها مسافات من الصحاري الجرداء القاسية، فهي ليست عماراً وبناءً وخضرة وأنهاراً، لأن هذه المسافات قد تأسست بتقطيع الجسور الواصلة بين الناس بعضهم البعض في الفضاء العام الضيق في البحرين الذي لا يمكن القول فيه بالمسافات ولا المناطق النائية، إذ من العيب أن يقول أحدهم بهذا القول في مساحة جغرافية لا تصل إلى ألف كيلومتر مربع. وعيب أكبر منه وأكثر شناعة الادعاء بأننا لا نعرف بعضنا بعضاً، لأننا فقط لم نسع إلى بعضنا، فحجزتنا مذاهبنا، وهو القول الفصل الذي هو ليس بالهزل. فليس غير الانتماءات المذهبية التي أثرت في الناس، وعملت فيهم عملها من حيث التقوقع على الأشباه وحسب، وليس ثم رغبة أو حتى فضول للتعرف على الآخر المختلف مذهبياً فقط، ومحاولة مقاربة طروحاته الخاصة بالحياة، ونظراته المفسِّرة للتعاطي مع الآخر هل هي صحيحة أم لا. وهل لو اختبرت هذه النظرات لصحّت أم تداعت وتهاوت... مما يؤسف له، أن كل هذه التجارب والمعايشة والتعاطي يمكن أن تنكمش إلى أقصى الحدود، وتنسى أيضاً في أوقات الزعزعة، ولا يعاد يذكر منها إلا المواقف القليلة التي ربما ساءت فيها الأفهام، فتتصدر هذه المواقف على حساب سنوات من التعايش.
الثقة التي يبحث عنها المتحاورون هي أوهى من بيوت العنكبوت، لأنها تُنسج على التضليل وتصاغ بالوهم والإيهام، وسرعان ما تنهار وتتفتت من أول نفخة. وأسوأ أنواع فتّ الثقة هذه التي يأتي انهيارها بعد أن ينال صانع الثقة الوهمية، مصالحه، ويكتشف طرف إنه إنما تم خداعه والتلاعب به، وأنه استُخدم مطيَّة لأغراض خاصة ما نال منها إلا الفتات... هذا إن نال المخدوع شيئاً من مكاسب الخادع.
وإذا “كان القانون لا يحمي المغفلين”، كما يقال، فإن المخدوع مرة تلو المرة في مسألة الثقة لن يحميه إلا فقدانها، أو دفعها بعيداً عنه حتى يباعد بين نفسه والخداع الجديد أو الغفلة، لأن استعادتها من جديد، وبناءها يتطلب وقتا لتكون في أحسن الحالات ثقة معرّضة للانهيار من جديد.
الثقة كرة من زجاج، الزجاجة في القلب، كثيراً من يفشل العقل والمنطق والحوادث التاريخية في أن يعطيها المعنى اللائق. وهذه الزجاجة إن تعرضت للشرخ أو التحطم فإن صانع ما هو يمكنه أن يعيد إليها شكلها بعملة دقيقة وصبورة واحترافية. ولكنه أبداً – وإن حالفه الحظ في حدوث أضرار خفيفة في الزجاجة/الثقة، فإنه لن يعيدها إلى سابق عهدها، إذ ستبدو عليها الشروخ السابقة، وآثار ربما من اللاصق الذي استخدمه. ستبقى الزجاجة تؤشر إلى حادثة مؤسفة وألمية إلى وقت طويل، وربما إلى الأبد، خصوصاً إن لم يستطع الفني إصلاح الزجاجة بشكل جيد... أو عندما لا يكون فنياً ماهراً... الأسوأ من ذلك أن يكون الفني هو نفسه المخادع الذي يرتدي لكل موقف لبوسه الخاص، ويعود في كل نادٍ ليظهر بثوب جديد ونبرة جديدة وأطروحات مختلفة.
الثقة ليست طريقاً باتجاه واحد، وهي ليست آتية من الأعلى إلى الأسفل فقط، إنما هي مسألة تنبع من الأمور الصغيرة، يستشعرها الإنسان، يختبرها في كل حين من دون أن يحضر نفسه للاختبار، لأن غير الجديرين بالثقة في هذا الجو العام لا يمكنه الاختفاء طويلاً، بل ستفضحه صغائر الأمور التي تدل على أنه لا يمكن أن يحظى بالثقة أو ينالها، سواء من لغة جسده أو لغة لسانه أو قراراته، فمن لا يجد في نفسه قدرة على تقبل الآخر، والاقتراب منه للقراءة وإياه من دفتر واحد، وتتبع السطور ذاتها، ومعرفة عميقة جداً بما يريد أن يصل إليه الآخر، أو كيف يمكن للطرفين أن يتفاهما، إنه تاريخ مشترك وكثير المحطات، فيه الكثير من الوقفات، وفيه تفهّم أيضاً وبذل العذر للطرف الآخر المرة تلو المرة أخذاً بـ “التمس لأخيك سبعين عذراً...”، فليس كل موقف لا يتماشى مع ما درجنا عليه نضعه في خانة أزمة الثقة، لأننا في البيت الواحد في كثير من الأحيان لا نتفق على تعريف الأمور، ولا على توزيع الأدوار، فما بالنا ببيئات متباينة، وتواريخ ليست مبشّرة كثيراً بهذه الأريحية من التعاطي! إنها القوة الكامنة والقدرة الصعبة في الحلم والأناة لأنها أصعب من التهور والاندفاع من أجل إلقاء اللوم وتبادل الاتهامات والصراخ، لأنها سرعان ما تنقلب إلى أفعال تتسم بالهمجية إن لم تحكمها الرزانة والتؤدة.
“زرع الثقة” حقل حساس جداً، يحتاج إلى شمس دافئة متوسطة الحرارة في التعاطي بين الأطراف، فيأخذ هذا الزرع وقته ومداه في النمو والاستواء حتى يعجب الزراع نبته، والزراع هنا الناس باختلافاتهم، وحكوماتهم، وحكامهم، فإن استوت درجة الحرارة فيما بينهم، وتوزعت مياه الريّ بالعدل والتساوي بين الأطراف، وظلل الحاكم الجميع بظله العام، فلا أحد يكون عرضة للرياح الهوجاء أو للشمس الحارقة، وتعادلت مقاعد الجميع، فليس أحد في صدر المجلس وآخر إلى جانب النعل عند الباب، وإذا ما أثبتت الأيام والليالي أن العدل، وليس أشباه العدل هو ما يطبق على الناس... كل الناس، وإن التسابق على الوظائف والفرص والسوانح أمر متاح للجميع من دون إقصاء ولا تمييز ولا أوراق تعد سلفاً، ولا غيرها من الألعاب الأخرى المعروفة، هنا يمكن القول أن الثقة بين الأطراف يمكن أن تتعالى وتخضرّ، ولكنها حتى تكبر وتثمر وتينع، ستحتاج إلى مراقبة وصبر وحرص كبير على انتهاج هذا التوازن، حتى لا يعاد إلى النقاط الأولى من جديد.