لازلنا نأمل أن تأخذ موجة المدّ في التعامل مع وسائل الاتصال الحديثة مداها، ويفرغ كُلٌّ شحنته النفسية والعاطفية من خلالها، أملاً أن “يتقيّأ” ذوو العقد عقدهم لمرة واحدة وأخيرة، ولا يبقون في أجوافهم شيئاً من هذه الأدران والجراثيم والأوساخ التي تملأ قلوبهم حقداً وغلاً على من لا يشابههم في الفكر والتوجه والعقيدة؛ ومن بعدها يفوق الجميع كما يفوق من يستريح من دوار البحر، ليعاود الانضمام إلى ركب الإنسانية الذي يمضي ولا ينتظر من يتنحى جانباً من أجل هذا الاستفراغ.
إلا أن الملاحظ أن الذين هم على الضفتين صاروا أكثر مِمَن هم على الطريق العريضة كما كان الظن سابقاً، وصار سالكو طريق الوسطية (الذي يدّعي الكل أنه يسلكه) هم القلة المتناقصة التي تستوحش مرورها ما بين فرقاء يتقاذفون بالأوساخ والقاذورات، فيتلقونها من الجانبين وهم في سعيهم للوصول إلى ما يتمنون.
ففي البحرين، قليل من الناس اتخذ من الإنترنت عندما جاءت قبل 18 عاماً تقريباً، منصّة للتطوير والتنوير والسعي إلى خلق قاعدة جامعة للناس، ساعية إلى تحييد، أو تحديد إقامة الموتورين طائفياً، وكان الاعتقاد أن هذا المسعى هو ما سيسود نظراً لأن العيش في الماضي والأنس في التجوال بين دهاليزه، والسكون إلى جدرانه، لا يتناسب مع فلسفة التطور والعلم الذي تمثل الإنترنت واحدة من تجلياته الحديثة. إلا أن أصحابنا (هنا وفي كل بلد يعاني الصراعات المشابهة) استطاعوا أن يهبوا لهذا المخترع وسماً شبيها بالتصورات الخاصة بسفك الدماء في القرون السالفة، فغذّوا الإنترنت بكل ما يمكن أن يحرِّض على كراهية المختلفين معهم، وألبسوا جهاز الكومبيوتر لبوس المحاربين الذين تفوح منهم رائحة صدأ حديد الدروع، وتقطر سيوفهم من دماء مخالفيهم. فصارت مساهماتنا في الإنترنت في غالبها تسابق على تشييد المواقع ليس إلا، وجانب من هذه المواقع ليس أكثر من محاولة للذبِّ عن حياض المذهب بمهاجمة المذاهب الأخرى. والمبررات لدى هذا الجمع من الناس كثيرة وليس لها حدّ، ولا يملك أحد إلا الانسحاب بهدوء من مناقشة كهذه لأنها تنتهي في الغالب بالإحالة إلى الطرف الآخر، أو الأطراف الأخرى التي تمارس الافتراء عليها، وإن تركها من دون كشف “الحقائق” يعني لدى العامة أنها على حق، فلا بد من مواجهتها حتى لا تنفرد بالساحة. والأمر سيان عند تلك الأطراف الأخرى.
وإذا كانت الإنترنت قبل سنوات عدة قد التصقت بجهاز الكومبيوتر الذي يحتاج إلى ثلاثة أجزاء أساسية (جهاز الكومبيوتر والشاشة ولوحة المفاتيح)، وهي يصعب نقلها والالتصاق بها طوال اليوم، فإن المخترعين سهلوا الأمر بالأجهزة المحمولة (اللاب توب) تسهيلاً للتعامل، وتبادل المعلومات، وإدامة التواصل، ونشر الأخبار، ولكن المخترعين لم يدركوا أو يضعوا في حسبانهم أنهم أيضاً سهّلوا للمقاتلين الجدد والمحرضين قدرتهم على النفاذ من أي مكان إلى العالم الافتراضي الذي باتوا أساتذة فيه، ولكن في اتجاه معاكس لكل أشكال التقدم.
إلا أن ثورة الهواتف الذكية المصاحبة للنقلات في أدوات التواصل الاجتماعي هي (حتى الآن) الأكثر تسهيلاً لمهمة الرامين إلى تشقيق المجتمعات، وبث الفرقة، فهي سهلة وخفيفة وبين الأصابع طيلة اليوم، ويمكن لمستخدمها أن “ينعق” في التويتر أو يقول ما يدور في ذهنه في الفيس بوك، وفي أي أداة أخرى وقت ما يشاء، وبقدر ما يريد.
هؤلاء المضطجعون باطمئنان على جنبات الطرق، المتعايشين بسلام مع أنفسهم فقط لأنهم ضمن ألوف غيرهم حتى وإن كان ما يقومون به من ممارسات لا تتناسب مع ما يدّعونه من تديّن، وما يفسّرونه من الدين والأخلاق التي تفترق طرائقها إلى “نحن” و”هم”، ويتم التعامل على هذا الأساس طيلة الوقت، هؤلاء استطاعوا عبر السنوات القلائل الماضية، أن يضموا إلى جانبهم نسبة من القلة الماضية في وسط الطريق تحاول أن تزّل أقدامها إلى أحد الطرفين. فالطريق اليوم باتت أضيق مما كانت عليه قبل سنوات طوال. بل تحولت الطرق إلى مجرد حبل يتوازن الماشون عليه لئلا يقعوا في الهاوية ولا يمكنهم العودة إلى الصراط المستقيم الذي منحهم الاحترام وألبسهم لبوس العفة من أن يتمرّغوا في وحول الطائفية.
لذا نجد هذه الأيام أناساً ممن كانوا لفترات طويلة نبراساً للخروج من عباءات المذاهب الضيقة، إلى سعة التجرد، ليس دينياً بل إنسانياً، نجدهم اليوم، ويا للأسف، وقد التحقوا بالحشود المتماوجة من دون تفكير أو تدبير. تراهم يرسلون لك على هاتفك فيضاً من المراسلات التي تفوح بنتن الطائفية. لم تسعفهم ثقافتهم ولا تواريخهم ولا ما رصفوه من بلاط يدلّ عليهم، وضعفوا من حيث لا يدرون، وصاروا اليوم أطرافاً في المعارك السياطائفية، فتراهم يناصرون هذا الفصيل على ذاك لا لشيء إلا لأن قادتهم الطائفيين الجدد يرون الرأي نفسه، وعندما تنبههم إلى ما فيه من غيّ وزيغ عن الحق والحقيقة، لا يستحون أن يبرروا و”يبربروا” بأنهم لا يزالون على مبادئهم القديمة، ولكنهم أبداً ليسوا كذلك، ولو نظروا إلى الخلف برهة لعرفوا كم أبعدتهم انزلاقاتهم عن الطريق التي كانوا حتى زمن ما قبل الإنترنت يسلكونها.
ألا قاتل الله هذه الشبكة، فلقد استطاعت عناكبها أن تخنق حفاري خنادق مواجهة الطائفية والعنصرية والقبلية والتشرذم والتمذهب وغيرها من الجيوش التي تحيل الأوطان إلى مجرد أناس يعيشون على أرض لا تربطهم بها رابطة، ولا يدينون بالولاء إلا لرموزهم ومرجعياتهم الخاصة. غير أن العيب ليس في الأداة، إنما في ضعف تأسيس الناس، وافتقادهم للمشروع الجامع لهم الذي ينسون (لا أن يتناسوا) أية فوارق فيما بينهم، ويحتفظون بإيمانياتهم في قلوبهم وحسب، ويأثثوا لوطن لا يزيده انعكاس ألوان أهله المختلفة إلا جمالاً وبهاء.