العدد 1661
الخميس 02 مايو 2013
نهاية الصحافة أم إصلاحها؟ غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 02 مايو 2013

عندما تحتفل الصحافة البحرينية مع العالم يوم غد (الثالث من مايو) بيوم الصحافة العالمية، ستكون لها وقفة ضرورية – إن شاءت طبعاً وإن التفتت – إلى ما هي عليه اليوم، وإلى أي الجهات تريد أن تذهب، والتحديات التي تواجهها من كل حدب وصوب، وكيف يمكنها أن تقلب هذه التحديات إلى فرص يمكنها أن تستثمرها.
فالصحافة البحرينية تشكو بشكل عام مما تشكو منه صناعة الصحافة العالمية من تراجع المدخول وزيادة المصروف، وتناقص القراء، وانصرافهم إلى الصحافة في نسخها الإلكترونية، فعدد من الصحف بالكاد تتنفس، وصحف أخرى تحاول السباحة. والسباحة كما هي بالغة الصعوبة في المحيطات المتلاطمة الأمواج، بل ويصبح من المستحيل النجاة بها، فإنها أيضاً من المستحيل جداً أن تمارس في المياه البالغة الضحالة. وما تشهده صحافة العالم اليوم، ومن بينها صحافتنا، أنها تسبح في المياهين: البالغة العمق والمترامية الأطراف، والتي تمثلها أدوات التواصل الحديثة التي أغرقت العالم بسرعتها وقدراتها الفائقة على تحويل كل إنسان إلى كاتب وصاحب رأي وصانع أخبار، وناقل لها، إلى جانب الوسائط الأخرى من صور وأفلام، كل هذا جعل الصحيفة الورقية التقليدية كمنتج، كالح الشكل لا يمكنه أن يكون أكثر إغراءً من كونه صفحات ملونة، ثم ماذا؟.
لقد تعاون التلفزيون منذ زمن بعيد مع الفيديو تالياً، مع ألعاب الفيديو، ثم مع الإنترنت فالدردشة والتواصل عبر الرسائل النصية والهواتف الجوالة، ثم النقلة إلى التواصل الاجتماعي الإلكتروني، في تقليل الإقبال على قراءة الورقيات، سواء كانت صحافة أم كتبا، وتراجعت هذه النسبة عالمياً أيضاً، وإن كانت فاجعة بالنسبة للوطن العربي، إذ انتهت دراسة للمركز العربي للتنمية إلى أن مستوى قراءة الطفل العربي لا يزيد على 6 دقائق في السنة، ومعدل ما يقرأ 6 ورقات، ومتوسط قراءة الشاب من نصف صفحة إلى نصف كتاب في السنة، ومتوسط القراءة لكل مواطن عربي لا يساوي أكثر من 10 دقائق في السنة مقابل 12 ألف دقيقة للمواطن الأوروبي.
وأوردت الدراسات أن عدد الكتب المؤلفة سنوياً والمتوافرة للطفل العربي لا تزيد على 400 كتاب، مقارنة بالكتب المؤلفة والمتوافرة للطفل الأميركي مثلا، والتي فاقت 13260 كتابًا في السنة، والطفل البريطاني 3837 كتابًا، والطفل الفرنسي 2118 كتابًا، والطفل الروسي 1458 كتابًا في السنة الواحدة.
وأفادت الدراسات أن كل 20 مواطنًا عربيًا يقرؤون كتابًا واحدًا فقط في السنة، بينما يقرأ كل مواطن بريطاني سبعة كتب أي 140 ضعف ما يقرأه المواطن العربي، أما المواطن الأميركي فيقرأ 11 كتابًا في السنة أي 220 ضعف ما يقرأه المواطن العربي.
وانتهت الدراسات إلى أن إجمالي ما يتم تأليفه من الكتب سنويًا في الدول العربية لا يساوي أكثر من 1.1 % من الإنتاج العالمي السنوي من الكتب، بينما يزيد عدد سكان الوطن العربي مقابل سكان العالم بنسبة 5.5. وبصرف النظر عن الدراسات الغربية الناقدة للجانب الإحصائي فقط، أي أن المسألة ليست في كم يقرأ المواطن الأوروبي، بل ماذا يقرأ في الأساس؛ بصرف النظر عن هذا التساؤل، إلا أن “عادة” القراءة لها أهمية كبيرة في استمرار صناعة الصحافة بحد ذاتها، لأنها إن تحولت من صحافة ورقية إلى صحافة مرقمنة (إلكترونية)، فإنها ستظل تحتفظ بالقوام التحريري والمهني نفسه، فالوسيلة ليست هي ما نخشى عليه، ولكن الخشية عن إدارة الناس هنا في العالم العربي، ظهورهم للقراءات المتواصلة على حساب قراءة جُمل في التوتير أو البلاك بيري الذي بات أيضاً يتراجع بحدة أمام الوسائل الأخرى الرامية إلى إشغال العين أولاً والسمع ثانياً، اعتماداً على الابتعاد أو الإبعاد عن القراءة.
فأي مستقبل تود الصحافة الذهاب إليه، حتى وإن نوّعت في مواقعها الإلكترونية، وزوّدتها بالكثير من الخدمات “المتراقصة” والبراقة و”الشبابية” وغيرها من الصفات، فإن قوام عمل الصحافة هو الكتابة والتعليق والتحليل والخبر والتقرير، والوسائط المندمجة يمكنها أن تفعل ذلك بتحويل الكتابة إلى مسموع مرئي، ولكن أين الصحافة في كل هذا؟.
في السابق إن أراد أحدهم أن يصف آخر بضحالة الاطلاع، وعدم الجدية في تحري المعلومة، يقول إن خصمه يعتمد على الصحف في استقاء معلوماته، إشارة إلى “خفة” هذا المصدر وعدم موثوقية، اليوم نتمنى لو أن يقول أحد الشباب إنه استقى معلومته من صحيفة، بل مما يقال وينشر في أدوات التواصل الاجتماعي، والمذيّل بعبارة “منقول” أو “كما وصلني”!.
أما المياه الضحلة التي لا يمكن للصحافة أيضاً السباحة فيها، فهي متعددة الأقطاب. ليس أقلها تراجع الإعلانات، والتنافس على التنازل عن قيمتها بين بعض الصحف أملاً في اجتذاب أكبر قدر من الإعلانات بأرخص الأسعار، حتى بدأت أعمدة سوق الإعلان تتداعى وتنهار الأسقف على رؤوس من بدأوا هذه “الصرعة”، إذ كثرت الإعلانات التجارية، ولكنها لا تكاد تغطي المصاريف المرتفعة بالنسبة للأجور وأسعار الورق والأحبار والطباعة والتوزيع، فكأن الصحف التي لا تخسر تعمل فقط على سد مصروفاتها طلباً للستر. وفي المقابل، فإن أعداد الراغبين اليوم في الانضمام إلى التخصص الصحافي من الحقل الإعلامي باتوا في تراجع وتناقص شديدين. فأغلب الدارسين أكاديمياً في هذا التخصص يودون الالتحاق بما هم مأخوذون به وهو الوسائط المتعددة، وتصميم صفحات الإنترنت، وإنتاج المرئيات والمسموعات وغيرها من التخصصات، وتجد العناكب قد نسجت بيوتها في زوايا تخصص الصحافة المكتوبة لأنها “موضة قديمة”، ومتعبة، وليس لها مستقبل. والشباب في هذا محقون وهم يرون الصحف المحلية تتخلص من صحافييها تحت ذرائع مختلفة.
هناك حديث يدور على مستوى العالم، والعالم العربي كما اعتاد سيتلقى النتائج ويطبقها. وهو عن مستقبل الصحافة في القادم من السنوات، هل هو “نهاية الصحافة” كما يروج في الولايات المتحدة، أم هو “إصلاح” أو “تكييف” أو “مرحلة انتقالية” كما هو دائر في بعض الدول الأوروبية ومنها فرنسا؟.
إننا أمام يوم عالمي للصحافة، أسهم على مدى قرون في تنبيه الجماهير والحكومات وبث الوعي فيهم ومناقشة قضاياهم بعمق. وكأية أداة فإن جانبي العملة موجودان فيها، الخير والشر. فليس من مصلحة أحد أن يقال “كان” هناك ما يسمى صحافة، لأن هذا يعني تخلخل السلطات التي تراتبت منذ زمن بعيد.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية