العدد 1658
الإثنين 29 أبريل 2013
أبعد من قوانين المسيرات غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 29 أبريل 2013

إن إعادة النظر في أحد الشؤون التي دار حولها الجدل طيلة أكثر من عقد من الزمان مضى، وهو موضوع المسيرات والتجمعات، وخصوصاً الكبرى منها، من الأمور الواجب التوافق حولها لأنها بحد ذاتها تسبب الكثير من القلق والصداع أيضاً وذلك لتجددها وتحركها الذي لا يمكن التنبؤ بما يسفر عنها في كل مرة.
في السنوات الماضية، تحديداً منذ التحضير لميثاق العمل الوطني، والبحرين قد شهدت الآلاف من المسيرات بشتى الطرق والمواضيع والأغراض والشعارات والأعلام والمرفوعة، وإن كان جانبها الأعظم من المعارضة السياسية، إلا أن شؤونا الاقتصادية (العاطلون عن العمل) والاجتماعية (قانون الأحوال الشخصية) وغيرها من المسيرات ذات الطابع المحلي أو تعاطفاً مع قضايا خارجية لها صلات بالبحرين. وفي الكثير من الحالات تمر هذه المسيرات بالتوتر في الأجواء، والسخونة العالية التي يكاد يفقد أحد الطرفين أو كلاهما قدرته على ضبط النفس، فتتصلب الوجوه والنظرات ولكن من دون أي شيء على الأرض.
غير أن الكثير من المرات أيضاً التي تم تنظيم هذه المسيرات فيها قد اعتورتها المشاكل والأخطاء، بدءاً من ترك الساحات والشوارع على شكل مزابل وأوساخ، وإن كان هناك من ينظف في بعض المرات. انتهاء بالصدامات التي يفقد فيها أناس حياتهم، مروراً بأعمال تخريب واحتكاك متفاوتة القوة بين الأطراف المعنية في هذه المسيرة أو تلك، مع وجود شريحة لا حول لها ولا قوة، وهم الناس الذين ليس لهم في العير ولا النفير، ولا في ثور المعارضة ولا طحين الحكومة، ويجدون أنفسهم مضطرين أن يدفعوا أثمان لما لم يطلبه البعض منهم، إذ ان كثيرا من الناس يريد أن يعيش حياته مستوراً وحسب.
منذ زمن السماح بـ “المسيرات السلمية” كحق للتعبير عن الرأي، إلى اليوم، لم تتوقف هذه المناوشات والملاسنات بين السلطات الأمنية والمعارضة السياسية في شأن من بدأ بالتحرش، ومن استفزّ الآخر، ومن كسّر وخرّب، ولماذا، واعتماداً على أي رد فعل، ومن سيدفع للمضرورين، ومن أموال من سيجري إصلاح ما تم العبث به أثناء المسيرة من الأموال العامة. وأحياناً يدخل على الخط بعض الذين يرون في أنفسهم الجرأة ليتحدثوا إما عن خسائرهم الشخصية وعلى أكثر من صعيد جراء هذه المسيرات، والبعض منهم يشير إلى أنه على استعداد لإعطاء المزيد والمزيد من أجل نصرة “القضية”، وأن أية خسارة أو مضايقة يتعرض لها ما هي إلا تضحية بسيطة لا تقاس أو تقارن بما يقدمه الميدانيون!.
بصرف النظر عن آراء الطرفين وتحديدهما الأسباب والمتسببين في أي احتكاك قد يحصل في المسيرات، فإن أمراً من مثل المسيرات لا بد وأن يكون له محددات وقوانين تنظمها بالصرامة والشفافية والنزاهة التي لا يمكن من بعدها تكرار هذه الأسطوانة المملة حقاً... فمنذ أيام أسمعتني ابنتي نوعاً من الموسيقى العالية الإزعاج والاختلاط التي تسبب الغثيان (حقيقة) ولم أحتمل سماعها كاملة ومدتها فقط تسع دقائق، فما ظنكم باسطوانة تدور لأكثر من عشر سنوات تحمل الحجج والبراهين والاتهامات ذاتها... لا الأطراف قادرة على الخروج من عباءاتها والتفكير خارج صناديقها ولو من باب التغيير في الحجج مع بقاء جوهر الاتهام نفسه، ولا هي راضية أن توقف هذه الاسطوانة المزعجة والانتقال إلى مرحلة أكثر نضجاً في التعاطي مع الطرف الآخر.
إن ما مرره مجلس النواب مؤخراً من تشريع لتنظيم المسيرات، وذلك بوضع 20 ألف دينار كنوع من التأمين على المسيرات، وعدم إشراك الأطفال فيها، وكذلك عدم تواجد ملثمين في المسيرات، لأن من يتلثم وكأنه يريد التخفي في فعل عام ومشاع ومسموح به، ربما يحتاج إلى الكثير من الوقفات الفاحصة لمفرداته ومبرراته وأوجه الإيجابيات والسلبيات في كل منها، ولكن القناعة تتجه إلى أن أي فعل يمارس على مستوى واسع يحتاج في الأساس إلى قوانين إن لم تنفع التجارب والأعراف. وأن ما تمت تجربته في دول عديدة نحن عيال عليها في الديمقراطية والتعبير عن الرأي يحتاج أيضاً لمراجعة لمعرفة ما إذا كان يناسب تكويننا وتركيبتنا ومزاجنا الخاص وكذلك تجربتنا في التعبير عن الرأي من دون أن تضيق بها الصدور، وتعويد هذه الصدور على الاتساع في كل مرة لأن الزمن لا يمكن أن يعود إلى الوراء، وأن أعين العالم باتت ترقب كل ما يخص حقوق الإنسان بنوع من التدقيق والتمحيص، مما يعني أهمية أن تدقق الأطراف أيضاً في تصرفاتها قبل أن تقدم على ما يمكن أن يدينها، وتقضي وقتاً ثميناً، وجهداً عزيزاً في تبييض الصفحات والمحاضر وتلميع الصورة جراء تصرفات فردية أحياناً ومخطط لها أحياناً، وإحداث ما يتلاوم عليه المشاركون من الطرفين في هذه المسيرات.
لقد بذلت الدول الديمقراطية الكثير من الجهد واستغرقت الكثير من الوقت، وخاضت الكثير من التجارب، ولا تزال، من أجل ضبط مسألة المسيرات، والحفاظ على حقوق جميع الأطراف: أصحاب القضية (المحتجون غالباً)، المارة، أصحاب المتاجر والمصالح التي تمر بها المسيرة، المارة الآخرون في المكان نفسه، القاطنون في الأحياء التي تمر بها المسيرة، حتى في مسألة مكبرات الصوت والهدير البشري، لأن هناك من لا يعجبه أو يزعجه أو يستفزه هذا الصوت المتسابق في علوّه، رجال الأمن أيضاً لهم حقوق وعليهم واجبات، وكل هذا يجري تسجيله وتدوينه على شكل قوانين لا تقيد الحريّات، ولا تعجز من يريد التعبير عن رأيه، مع شفافية عالية – قدر الإمكان – من قوات الأمن حتى لا تتورط بسهولة في هذه المنزلقات، لأنها الجهة الضامنة للأمن وليست جزءاً من الصراع. ومع ذلك تحدث الكثير من الخروقات، ويجري احتجاز بعض المحتجين وتغريمهم، من دون انتهاك لحقوقهم وكرامتهم الإنسانية، ومع ذلك أيضاً، تجري اختراقات لمسألة الحفاظ على هذه الحقوق حتى في أكثر الدول تقدماً بفعل الطبيعة البشرية الانفعالية، ولكن صرامة القوانين تحدّ من التمادي في غالب الأحيان.
الأهم في المسيرات البحرينية أن تخرج المسيرات، منظمة، ملتزمة بالشرائط، ولكن من دون نية مسبقة، لا من قبل منظميها ولا المشاركين فيها، ولا من الأجهزة الأمنية، بتحدي كسر الأنوف، وكسب المساحات.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية