أندريس بيهرينغ بريفيك، آدم لانزا، رجلان كادا أن ينقذا الشرف العربي الإسلامي من تهمة التطرف والرغبة في التصفية الجسدية لعدم القدرة أو الرغبة أو الإيمان بالحوار الذي يتيح فرصة التفهم والتفاهم مع الآخرين ومعرفة ركائز أفكارهم.
وبطبيعة الحال، فإن الذاكرة البشرية في السنوات الأخيرة صارت تكتظ ببيانات ومعلومات هائلة، فمن الصعب أن تسترجع علاقة الرجلين السالفي الذكر بالشرف العربي، أو الصورة العربية الإسلامية. ولتنشيط الذاكرة وتحفيزها، نسترجع أن أندريس بيهرينغ بريفيك هو النرويجي اليميني المتطرف، الذي كان يعارض التعايش بين الحضارات والثقافات والأديان، فنفذ هجومين متتاليين راح ضحيتهما 93 شخصاً في صيف 2011.
أما الآخر، وهو آدم لانزا، ذو العشرين عاماً، فهو الأميركي الذي فتح النار في منتصف شهر ديسمبر الماضي على أطفال وبالغين في مدرسة ساندي هوك الابتدائية، في بلدة نيوتاون الصغيرة في ولاية كونيتيكت، فأردى 20 طفلاً و6 راشدين.
الاثنان ارتكبا جرائم هزّت الرأي العام العالمي بفعل السطوة الغربية، والأميركية على وسائل الإعلام بشكل عام، مما جعلهما قضيتين مركزيتين لعدة أيام، تابعهما الناس، خصوصاً الجريمة الأميركية، بكل التفاصيل والقصص الإنسانية فيهما.
كانت هاتان المأساتان، على الرغم مما فيهما من كمّ من الأسى الإنساني الذي لا يمكن للمتمتع به إلا أن يميل صوب التعاطف مع الضحايا وأسرهم؛ إلا أنه مع كل جريمة، كنت أزفر نفساً عميقاً عندما أتبين أن الفاعل ليس عربياً، ليس مسلماً، ودوافعه إما نفسية، إما دينية متطرفة ومنحرفة لتشير إلى أن التطرف ليس ديناً وإنما أفكار وأفراد.
إلا أن هذا الحال لم يستمر طويلاً مع حادثة بوسطن الأخيرة، والهزات الارتدادية التي حدثت في كندا وغيرها من الدول ليعود الضوء مسلطاً على العرب والمسلمين على أنهم دعاة ورعاة الإرهاب والتطرف في العالم. وهذا ما يفتح معنا موضوعات غاية في التعقيد والتشابك بالنسبة لصورتنا في المجتمعات والثقافات الأخرى. والأهم ربما صورة العرب والمسلمين الذين يعيشون هناك إما فراراً من مواطنهم أو طلباً للرزق أو للدراسة أو لأي أمر طارئ أو مؤقت.
الناضجون منا يميزون أن هذا التركيز الشديد على الحوادث الإرهابية (وهي ولا شك إرهابية أيّاً كان مدبرها)، وإظهار التفاصيل وإخفاؤها بشكل منظم حتى تدفع الجمهور الغربي للتوصل إلى الاستنتاج الذي يقود إلى “العدو الجديد”، والشخص عندما يتوصل بنفسه إلى استنتاج ما، فإن الحصيلة تكون أكثر غوراً وعمقاً في نفسه، وأكثر حماسة للتعامل معها بالسلب والإيجاب. وبالتالي، فالغربي (الأوروبي والأميركي) الذي كان يعي، وعايش أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبعدها حوادث التفجير لقطارات أسبانيا، وقطارات بريطانيا، وكثير من الحوادث شبه المتتالية، سواء بالهجوم على أشخاص بعينهم (كمخرجي أفلام ورسامي كاريكاتير)، أو بالهجمات الانتقامية العامة من المجتمع، لا تفعل شيئاً في المجتمعات الغربية سوى أنها تنمي رد الفعل الرسمي والشعبي إزاء أبناء ثقافتنا، والمساوي له في المقدار والمضاد له في الاتجاه، وهذا من الأمور التي لا يمكن الإشاحة عنها منذ الربع الأخير من العام 2001، وحتى اليوم في التشدد في مسائل الهجرة، وقبول المزيد من المهاجرين والفارين واللاجئين سياسياً من الدول العربية والإسلامية إلى الدول الغربية. فسرد التاريخ المعاصر والقريب جداً يشير إلى فارّين من بلدانهم اتقاء للعسف والجور والظلم، لم يستكينوا، ولم يهنأ لهم بال بعد أن هدأ روعهم لينقلوا تجربة المواجهة البدنية والمسلحة إلى المجتمعات الجديدة التي آوته. وفي كل مرة يخترعون مبررات جديدة لما يقومون به.
ومما ينقل عن رئيسة وزراء أستراليا جوليا جيلارد، قولها مخاطبة أحد المتشددين الإسلاميين في استراليا: أنت متعصب، لماذا لا تسكن في (....) أو (....)؟ ولماذا غادرت دولتك الإسلامية أصلاً؟
أنتم تتركون دولاً تقولون عنها إن الله باركها بنعمة الإسلام، وتهاجرون إلى دولٍ تقولون إن الله أخزاها بالكفر من أجل الحرية، العدل، الترف، الضمان الصحي، الحماية الاجتماعية، المساواة أمام القانون، فرص العمل العادلة، مستقبل أطفالكم، حرية التعبير... إذن لا تتحدثوا معنا بتعصب وكراهية، فقد أعطيناكم ما تفتقدونه... احترمونا أو غادروا”. وهو رد فعل رسمي، ولكنه أقرب إلى صوت رجل الشارع الاعتيادي في دول كانت تنعم بكثير من السلام والوئام الاجتماعي والآن باتوا مهددين بمن آووهم، أليست هذه مفارقة؟
أما ردّ الفعل الآخر الآتي من الأفراد والجماعات في الشارع الغربي، فهو الانتماء إلى الحاضنات التي تواجه التطرف بالتطرف، والانكفاء على الذات، ورفض الآخر والمختلف، وهذا ما حدث في مسألة النرويجي بريفيك، الذي رأى أن قوام الشخصية الأوروبية في طريقها إلى الامّحاء والزوال بسبب الهجرات والتغلغل الإسلامي إلى القارة الشمالية مما يهدد أعمدة وثوابت الثقافة هناك، فقصد المعسكر الذي ضمّ يافعين من دول مختلفة تعبيراً عن رفضه للانصهار والتفاهم واللين تجاه الآخر، وهو بالضبط ما يمارسه المنحرفون من الإسلامويين... فالمتطرفون المختلفون في الأفكار والذين يبدو للرائي أنهم يقفون على طرفي نقيض من بعضهم بعضا، نجدهم – لو أمعنا النظر - إنما يلتقون في النقاط نفسها، والطريقة نفسها، والمعالجة نفسها أيضاً، ولكن مع تغييرات في الأسماء والوجوه والانتماءات.
في الوجدان العالمي، وبفعل الدعاية الغربية، بالتعاون الوثيق والشديد الصلة مع الإسلامويين المتشددين، من حيث يعلمون أو لا يعلمون (وفي كلتيهما مصيبة)، صارت أمة العرب والإسلام عبارة عن كسالى مستهلكين، لا يضيفون إلى الجهد البشري أي جهد بشري خلاق مفيد، والشيء الوحيد الذي يعرفونه هو الملذات الحسية والاستمتاع برؤية الأشلاء تتطاير، والدماء تصبغ المشهد... وهم – والله في هذا الذي توصلوا إليه، بل وأوصلوا الأجيال العربية والإسلامية الجديدة إليهم بفعل غسيل الدماغ – ليسوا بمخطئين. فلا نصدّق أن تظهر بعض النماذج الفعالة والمشرّفة في المشهد العالمي العام من أبناء جلدتنا، حتى ولحقت بهم موجة من الإرهاب التي تضيع فيها البلابل في أسراب الغربان القبيحة.