العدد 1630
الإثنين 01 أبريل 2013
قروش اليوم الأبيض غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 01 أبريل 2013

ينظرني بعض الزملاء شزراً إنْ كانت وجهة نظري تختلف عن الحلم الذي يراودهم بزيادة الرواتب، مشيرين إلى ما يحدث في بعض الدول المجاورة. أقول لهم، وماذا عن البعض الآخر من الدول المجاورة التي لا تزيد رواتبها إلا بمقدار زياداتنا أو أقل أو أكثر قليلاً؟! وهنا تنفتح شهوة الكلام على أشدها، والأفواه على مصراعيها، وتنشط الذاكرة دفعة واحدة وتلتوي أطراف الأفواه إلى الأسفل مع تقطيبة لا يُخطأ معناها، وهم يستعرضون ما يستعرضونه في كل مرة.
ووجهة نظري الخاصة أن البحرين يجب أن تواصل في تطبيق المقولة البوهيمية الفصحى “انفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”، لأن السؤال هنا: وإن لم يأتِ؟ ولا المقولة الشعبية “تغدينا والعشا على الله”، ونعم بالله، ولكن لا هذا زمن النبي عيسى عليه السلام، ولا نحن أنصاره الأولون لينزل الله علينا مائدة من السماء. ففي كلا المثلين هناك عداء مستبطن لشيء يسمى التخطيط السليم، وهو كيف تخبئ قرشك الأبيض ليومك الأسود.
لذا، فإن تصريح الأسبوع السابق من وزير المالية وإقرار رئيسي اللجنة المالية في المجلس الوطني بالتفهم للأسباب المؤدية إلى رفض الحكومة للزيادة، قد نزل على أكثر المنتظرين لهذه الزيادة بأثقل الأحجار، فقد قيلت كلمة فصل بأنه لا مجال للزيادة، فالأوضاع أكثر هشاشة من زيادة أو تعديل أوضاع أو ما أشبه.
إن البحرين من أضعف دول مجلس التعاون دخلاً، على الرغم من الكثير من الإشادات الدولية والمؤشرات العالمية التي تضعها في مراتب متقدمة على التنوع الاقتصادي والاعتماد على النفط والحرية الاقتصادية وغيرها، ولكن في المحصلة فإن أوضاعها الاقتصادية لا تسر كثيراً، بدليل المارشال الذي أطلق لدعمها. وفي الوقت نفسه يتسابق بعض النواب منذ سنوات على دغدغة عواطف الناس، وحتى تمتلئ كتيبات إنجازاتهم الشخصية أو التكتلية بأنهم “سعوا” و”طالبوا” و”ضغطوا”، من أجل رفع راتب المواطن، حتى لو أدى هذا الرفع إلى رفع الدين العام، أو الإفلاس، والإفلاس الذي يصيب الأفراد فإنه يصيب الأمم والبلدان أيضاً كما رأينا في الآونة الأخيرة في قبرص واليونان وترنح أسبانيا، ودول أخرى تستحي أن تجثو على ركبتيها طالبة العون والمدد من الدول الأغنى، ولكن هذا الكبرياء لن يصمد طويلاً، فأقول: هل تريدوننا أن نصبح مثلهم، نأكل ما لليوم وما للغد من غلال ونقعد باللوم والحسرة؟
ويضرب الحالمون المثال في بعض الدول الخليجية التي زادت رواتب موظفيها بنسبة 100 %، والرد على هذا الشيء بأن الدولة عندما تزيد راتب الموظف بنسبة 100 % يعني أنها كانت تظلمه بنسبة 100 % قبل ذلك وتعطيه أقل بكثير، بل كانت تعطيه صفراً مما يجب الحصول عليه.
وبما يتوفر من معلومات قليلة وأرقام شحيحة يمكن للبعض منا أن يسند وجهات نظر لا تستهدف الناس وتحقد عليهم وعلى نيلهم لبعض المكتسبات المادية، لأن أصحاب وجهة النظر هذه هم من الناس أيضاً والمنتظرين بعض الزيادات حتى تصب في توسعة بند الإنفاق الاستهلاكي والترفيهي على العموم. ولكن هذه الحجج تبدو واهية جداً ولا تقوم على رجلين عندما يتمطرك الناس بفيض من القصص التي تدفعك للإلتصاق بالحائط وكأنك أنت من سرقت “حلالهم” أو حتى سهّلت في سرقته. أو أنك الذي بيده عقدة الزيادة.
وبعكس ما يحدث في السابق “دارٍ درى ودارٍ ما درى”، فإن كل المخترعات الحديثة صارت تسهل كثيراً وتساعد على أن تكون كل الأمور مكشوفة. وبعد أن كنا نشعر أننا قريبون من بعضنا بفضل الاتصالات، وهذا ما أطلق عليه “القرية الكونية”، صرنا أقرب (معرفة وليس عاطفة وحميمية)، وهذا ما أطلق عليه أنا “الغرفة الكونية”، حيث تتعدى المسألة العيش في بيوت متجاورة، إلى العيش عارياً في غرفة لا يستر بعض مكوناتها بعض بالجدران. فما عاد هنالك مكان أو تصرف أو شخصية إلا وجرى التعريف بها وإشهارها في هذه الغرفة التي لا يختبئ فيها أحد. وهذا يعني أن على الفاسدين أن يكتفوا ويكفّوا أيديهم عن المال العام الذي يتطاير هنا وهناك، وذلك حتى يمكن أن تتوزع هذه الأموال على المواطنين لينعموا بحياة رغيدة فالكل يرى ويسمع. والأدهى من هذا أنه ليست هناك من دار إلا وتدري بما يجري في الأروقة وعلى العلن. والأنكى من هذا وذاك أن على الناس أن يعتبروا هذا من قبيل الأمور الاعتيادية وهم ينتظرون زيادة تعد ببضع دنانير ستبتلعها زيادة الأسعار قبل أن يتنعّموا بها، ولا تأتيهم إلا وقد ذابت وهي في الطريق إليهم، كمكعب ثلج في هجير شهر أغسطس، فقد تصلهم الزيادة كاملة التي يقال عنها، وقد لا ينالهم منها إلا رائحتها، والمَنّ بأنه تمت الزيادة الموعودة.
ولا يسلم من يناقش في هذا الأمر من التذكير بما يكشفه سنوياً ديوان الرقابة المالية والإدارية من تجاوزات بعشرات الملايين، وليتها تتوقف أو تقل أو تتراجع أو تنكمش أو تضمحل، بل في كل سنة يكشف التقرير عن أطنان من الدنانير تذهب إلى غير مصارفها، وفي غير محلها وإلى غير مستحقيها، فلو كانت هناك إجراءات حازمة وصارمة منذ السنة الأولى للتقرير، أي قبل حوالي عشر سنوات، ألم تتوفر في الميزانية المبالغ اللازمة للزيادات واحتياطي الأجيال المقبلة أيضاً؟.
في الحقيقة، لا أملك حين نقاش كهذا إلا أن أردد “لام اللهُ من لامنا”، فإننا كمن يحاول أن يسد خروقاً وثقوباً صغيرة، بينما وراءنا فجوات قادرة على ابتلاع مركبنا الصغير إن لم نوجه طاقاتنا إليها، وهي الأهم والتي يمكنها أن تجرفنا إن استمرت، فكيف والحال أنها تزيد اتساعاً، وتزيد عدداً أيضاً.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .