في المقال المنشور في هذه المساحة يوم الاثنين الماضي، أشرت إلى جملة من الأمور التي تبدو مخلة في الوضع البحريني الراهن، وهي ليست من باب السياسة وحسب، وإن كان لها باب واسع مشرّع في هذه الأوضاع، ولكن أيضاً من حيث تعاطي الناس مع الكثير من القضايا اليومية، والتي من بينها نظافة الشوارع، وهو أمر إن تعلق بالبلديات من جهة على اعتبار أنها المعنية أولاً بنشاط التنظيف والعناية، فإن الأمر معنيٌّ بدرجة لا تقل عنها بانزياح ذوق وفكر الكثير من الناس – وللأسف – عن مفهوم الأدب العام والنظافة العامة في أي محفل.
فهناك – ولسوء التخطيط ورخاوة المتابعة – الكثير من الشوارع التي تحفل بالمطاعم والكافتيريات، فتعال وانظر إلى هذه الشوارع في وقت الذروة المسائية، لتجد نفسك في خضم مزبلة حقيقية إذ يتبارى البعض ويتباهى برمي الأكياس والقناني والمخلفات من نافذة السيارة بكسل شديد، وعفوية من لا يرى بأساً أو ضيراً مما يفعل. وإن واتتك الشجاعة وتجاسرت وسألت أحدهم عما يفعل، اقتحمك بعينه اقتحام من يقول في نفسه “وما شأنك أنت؟”، قبل أن يجيبك “البلدية لديها عمال نظافة”. هذا إن سلمتَ من بعض السباب والكلمات البذيئة التي صارت تجري مجرى النفس من الإنسان.
ومواصلة للحديث السابق، فإن المتتبع لتاريخ هذا البلد العزيز، يرى بجلاء أين كنا وإلى أين صرنا، وكيف أن التقدم الظاهري لم ينعكس على جوهر الإنسان إلا بما يجعل جلده أو حسّه أكثر سماكة وأقل حساسية تجاه محيطه. فالبحرين التي كانت مضرب المثل في التقدم والرقي بات الكثير من الغبار يكسوها، وتحتاج إلى انتفاضة عميقة وحقيقية في جميع مناحيها، لأن الشارع في أي بلد يشير إلى أهله وسالكيه، ولا يشير بالضرورة إلى قوة وإحاطة البلديات بعمليات النظافة لأن أعتى بلدية لن تتمكن من التنظيف اللحظي للتصرفات الشوهاء التي يقوم بها البعض، ليس عن جهل، وإنما عن “شيء” غائر في النفس لم أستطع الوصول إليه، ليقول أنه “يموت” حباً في هذا البلد، ومن أجل هذا البلد، ولكن لا يرف له جفن في أن يوسّخ هذا البلد، ويشوّه هذا البلد، في انفصام مذهل للشخصية البحرينية يحار المرء إزاءها. وربما أبسط تحليل لهذا الأمر القول بأن كل هذه الشعارات لم تلامس جوهر الإنسان، لأنه من المستحيل أن يضرّ أحد من يحب، أو يجرحه.
لفتني بشكل مبهر مقال عن البحرين ورد في مجلة “الكويت”، وهي أول مجلة في الخليج العربي، أسسها الراحل عبدالعزيز الرشيد في مثل هذا الشهر من العام 1928، وأغلقت أبوابها في مثل هذا الشهر أيضاً بعد عامين فقط. وفي أحد أعداد السنة الأولى تنشر المجلة مقالا لرجل الأعمال الكويتي يوسف عيسى القناعي، أود أن أورده نصاً للقارئ الكريم لسببين، أولهما التمعن في اللغة التي كانت تستخدم في تلكم الأيام وجزالتها، والثاني لمناسبتها لمحور ما نقول:
“لا أريد من مقالي هذا بيان ما للبلدية من المنافع العامة في جميع البلاد لأن ذلك أمر محسوس لا ينكره الا كل معتوه. وانما أريد الحكم فيها من الوجهة الشرعية وبيان ما لبلدية البحرين على الأخص من الأثر الجميل عسى أن تكون قدوة صالحة لبلاد العرب التي لا تعرف للنظافة آية ولا تعيرها أدنى التفات.
زرت هذا البلد الأمين قبل وجود البلدية فيه ومكثت فيها أياما قلائل هي أشقى أيام مرت عليّ في هذه الحياة. رأيت جواً متلبداً بالأبخرة تنصب فيه الرطوبات كالأمطار وأرضا تقذف حمم الجحيم قد كللتها طبقات من الأوساخ ورأيت أسواقا خانقة وطرقاً ضيقة وزبلاً رابية وأقذارا منتنة تقشعر منها الجلود وتنكمش منها النفوس فنفرت منها خائفاً أترقب هجمات الأمراض ولساني يردد هذه الآية الشريفة “ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون”.
أسست البلدية في البحرين في أواخر سنة 1338 (للهجرة) وأخذت تسير سيرا ضعيفا كما هي السنة في المشاريع الجديدة التي لم تولف في مثل تلك البلاد من قبل فلما اشتد ساعدها ظهرت في هذا المظهر الحي سنة 1341 فأخذت تسير سيراً حثيثا في الإصلاح لا تعرف الملل فقلبت البحرين ظهراً لبطن فأخذت أخبار القادمين من البحرين إلى الكويت ترد عن إصلاحها وهي في غاية الغرابة من هذا التغيير المدهش الذي حصل في هذه المدة القصيرة.
وقد قدر الله أن سافرت إليها في هذا العام وأنا في ريب من صحة ما كنت أسمعه من تلك الأخبار فما وطئت قدمي فيها حتى رأيت الأمر أكبر مما قيل.
رأيت جواً صافياً ونسيما ينعش الروح بعد أن كان غازاً خانقاً ورأيت أرضا بيضاء معبدة لا ترى فيها عوجا ولا أمتا قد وسعت طرقاتها وأسواقها وأزيل ما فيها من زبل وأوساخ وغرست الأشجار في طرقها العادية وانقطعت أمراضها وأوبئتها التي كانت تعتادها من قبل سنوياً فظهرت البحرين في ثوب قشيب من الجمال والنظافة حصل هذا التغيير المدهش الذي لا يعرف أهميته وقيمته إلا من زار البحرين قبل رفع منار البلدية فيها والحال أن البلدية حديثة العهد لم يمض عليها إلا نحو سبع سنين فإن دامت هذه الروح النشيطة سائرة على ذلك الموال فستكون البحرين عروس بلاد الخليج ولا ريب وستزداد اتساعا من كثرة المهاجرين إليها إذ حركتها التجارية اليوم كفيلة بجلب الناس إليها فكيف إذا انضم إلى ذلك صحة ورفاهية.
فعلى كل منصف أن يقدر هذه الأعمال الجليلة قدرها لتلك البلدية ويشكر المؤسسين لها والعاملين فيها من البداية إلى هذا الحين فإليك إيها الرئيس المحترم ونائبه الكريم وأعضاؤه المبجلون أزف شكراً جزيلاً من قلب مخلص يسره حياة العرب.. ويقظتها ويؤلمه سباتها وموتها”.
لم يجانب المرحوم القناعي الصواب في ما ذهب إليه خصوصاً في الفقرة قبل الأخيرة، من ربط ما للحال العام للبلاد، ومصافحتها الأولى من نظافة وتنظيم في ازدياد الحركة التجارية، والعكس صحيح، فتدني مستوى المعايش يصاحبه تدنٍّ في جميع أوجه الحياة.