العدد 1623
الإثنين 25 مارس 2013
المستقبل لا يبنيه المتذمرون غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 25 مارس 2013

أحياناً أشعر بالشفقة على من يمكن أن يصبح مسؤولاً في البحرين لشعب متذمر على الدوام، ودائماً ما يقارن نفسه، من زاوية سفلى بالآخرين وما لديهم من اهتمام ونعم، وغالباً ما تأتي هذه النتيجة في غير صالحنا. فبعد سلسلة من المقارنات على كافة الجهات والأصعدة تنطلق الآهات والزفرات مع رؤوس تهتز أسى وحسرة على حالنا، وكيف بات الآخرون، وكثير هم الآخرون أفضل منا على كل المقاييس.
يكون الدخول لمحاولة بثّ شيء من التفاؤل ونبذ هذه النغمة المتشائمة التي لا تورّث إلا المزيد من التشاؤم واليأس والإحباط، ضرباً من المحاولات البائسة، لأن المتذمرين والمتنمرين لا يتركون شاردة ولا واردة إلا وألصقوا سوءها بالوضع المحلي، ليس السياسي وحسب، وإن كان هذا واحداً من القضايا التي لا يملّ الناس تكرارها، ولكن الأمر يمتد إلى جميع أوجه الحياة.
هاكم مثلاً الأسواق الشعبية، فالخليج كان يعرف الأسواق من البحرين، وكان الوافد إن وطأت رجله المنامة شدّته مقاهيها وحسن ترتيبها وباب البحرين الذي كان شانزليزيه الخليج، وكان الوافدون من الأقطار والأمصار، وبخاصة الخليجيين يرون في البحرين ما لا يروه في بلدانهم، والمقارنة تذهب اليوم إلى مكان من مكانهم، وأسواقنا الشعبية التراثية من مثيلاتها في عدد من الدول الخليجية، إن من حيث التصميم، أو التنوع، أو المحافظة على التراثيات، أو متعة التسكع في أرجائها، ويكفي أن يقال “سوق واقف” في قطر، أو “سوق المباركية” في الكويت، حتى يعلن البحرينيون أنها قبلتهم إن زاروا تلك البلدان.
يحدثونك عن البحر وكيف يكون رئة المدن والناس، وكيف تصطف على جانبيه المقاهي والمطاعم والمتنزهات المفتوحة، وكيف ينزل الناس بكل أريحية يغرسون في ملحه جذورهم، ينقعون أرجلهم في بحر خال من الأحجار الحادة الأطراف، وبقايا زجاجات المشروبات الروحية التي يتبارى شاربوها على تكسيرها على الشاطئ، وكيف هي الشواطئ نظيفة، والسواحل أنظف، وليست تنتصب أمامهم علامة “ممنوع السباحة”، حتى بات الجيل الجديد يدخل دروساً في السباحة، وهو محاط “افتراضياً” بالبحر حيث شرب آباؤهم أطناناً من مياهه حتى استفرغوا في دروس سباحتهم الأولى.
وإن أتينا إلى البنية التحتية في محاولة لإقناعهم بما تم في السنوات العشر الأخيرة على الأقل من توسعة في الشوارع وتحسين الطرقات، ومدٍّ للجسور، ارتفعت عقيرة البعض وهو يشير إلى أنه زار البلد الخليجي الفلاني قبل أشهر حيث وضعت أساسات جسر هناك، وفي زيارته الأخيرة استعمل الجسر، بينما كباري أقل شأناً هنا وأصغر مساحة، يمتد العمل فيها إلى سنتين وأكثر.
تسألهم عن “المحطة الواحدة” في تسيير الأعمال وفي الاستثمارات، فيروون لك ما يشعرك بدوار البحر من قصص التعذيب المجانية إذا ما أردت أن تنهي معاملة، مع الإشادة بالتطور الحاصل، ولكنه تطور لا يداني ما يحدث في دول أخرى، وهو أمر لا يتعلق بالمادة هذه المرة حتى لا يقال إن تلك الدول أغنى منا، ولكنه بالفكر الإداري الذي ينحو إلى التميّز والتفكير خارج الصندوق في شأن الإجراءات. حينها تذكرت أن مخالفة مرورية قد وصلتني، وحين وصلت بعد طابور طويل قيل لي تعال غداً لأن القضية عند “نيابة المرور”، وفي اليوم التالي اضطررت للذهاب مجدداً لأكتشف أن “نيابة المرور”، يا له من اسم له هيبة ورنيناً، وقد بلعت ريقي مرتين، وحضّرت ما أدافع به عن نفسي إزاء المخالفة، فإذا به شباك لتحصيل مبلغ 20 ديناراً قيمة المخالفة! وهو نفسه الشباك الذي قصدته العام السابق لأسدد المخالفة فإذا به لا يتعامل إلا بـ “الأنواط”، ولم تكن فيه تلك الآلة الصغيرة التي تقرأ بطاقات البنوك أو البطاقات الائتمانية، والتي تتواجد في أصغر المقاهي اليوم!
نفضت رأسي من هذا الاسترسال لأعود إلى دوامة المقارنات، إذ يشكو أحدهم من أنه كان ينوي فتح مشروع خدمي لا يحتاج معه إلا إلى جهاز اللاب توب ليمارس عمله في أي مكان كان، ولكن القوانين المتطورة هنا لا تعرف إلى الآن الأعمال الافتراضية على الرغم من أنها ليست من المهن الناشئة، وعلى من أنها منتشرة بشكل كبير في الدول المتقدمة، وعلى الرغم من أن الكثير من الناس، خصوصاً ربات البيوت يتخذن من طاولة صغيرة في زاوية في صالة منزلها مكتباً يسيّرن به أعمالاً وتدرّ عليهن أرباحاً جيدة، إلا أن جماعتنا لا يزالون يقفون عند استئجار محل تجاري، ووضع مبلغ في الحساب المصرفي، ورخصة من البلدية، ورسوم سجل تجاري تبعاً لنوعية النشاط، مع أن القائمين على كل هذه الشروط يعلمون علم اليقين أن الكمّ الأكبر من المتقدمين للحصول على سجلات تجارية إنما هم يمثّلون ويتظاهرون، فالمحل سيتم إغلاقه وإعادته لصاحبه فور انتهاء زيارة المفتش، والحساب المصرفي المطلوب سيعود إلى سابق عهده وقد يقفل الحساب بعد الحصول على السجل والتراخيص.. إذا لم كل هذه المسرحية المكشوفة؟!
وإن أتيت إلى النظافة في الشوارع، فإن الحسرة تتضاعف لانحدار الذوق العام، واتخاذ الشارع مكب قمامة، وهذا ما يحتاج إلى وقفة مطولة لمقارنة الماضي بالحاضر، وكيف كانت البحرين مضرب مثل بنظافتها، وكيف وصل بها الحال اليوم.
كل ما تقدم له أكثر من وجه، أحدهما أن المواطن كان يقول دون أن يفعل بحجة أن ليس في يده ما يفعله، ولكن اليوم فإن له ممثل بلدي وله أيضاً 40 نائباً في مجلس النواب، فالنائب البرلماني لا يمثل دائرته فقط، وإنما جميع المواطنين، فعلى المواطن هنا أن يكون إيجابيا ويضغط في اتجاه الإصلاح، ويزيح عضو المجلس البلدي إن لم يكن على المستوى المطلوب، ويمارس حقه الطبيعي والمصان في الاقتراح والشكوى بدلاً من الحوقلة في المجالس المسائية.
ووجه آخر، لا تتحمله السلطة التنفيذية وحدها، بل تتحمله جميع الجهات المعنية بمستقبل البحرين، وهو كيفية الانتقال بالبحريني من مرحلة التذمر والشكوى إلى مرحلة المفاخرة ببلده، ليس في الجوانب المشار إليها وحسب، بل وفي تنفسه جميع مظاهر ومخابر هذا البلد بدءاً من أبسط القوانين. إذ كيف يمكن التخطيط للمستقبل والمواطن قد أعطى ظهره للواقع غير فخور به وغير آمل؟!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية