العدد 1616
الإثنين 18 مارس 2013
حلُّوها بالقانون... أو “فضّوها سيرة” غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 18 مارس 2013

كنت أركب سيارة أحد الإخوة عندما تذكرت شيئاً وددت أن أشتريه من سوبرماركت، فقال لي: ألم تجد غير هذا المحل لتشتري منه؟ ألا تعلم أنه من ضمن المقاطعة؟ فقلت له ما معناه أنني أحترم القانون وأتبعه. ربما لا يعجبني في بعض من جوانبه وربما أختلف معه، وربما تتعارض بعض نصوصه مع قناعاتي الشخصية، ولكنني لم أقرأ في القانون أن نشتري أو لا نشتري من أناس بعينهم تبعاً لمواقفهم السياسية، وهو القانون الذي وضعه الناس لأنفسهم إبان الأزمة وساروا عليه لبضع شهور قبل أن تلين مفاصل هذا المسعى الكريه.
تجادلنا بعض الشيء في الموضوع، ولأن مقود السيارة ليس في يدي، اضطر صاحبي أن يذهب إلى سوبرماركت خارج حدود المقاطعة على بعد عدة كيلومترات لأحصل على ما أريد، فأنفق الوقت والبنزين والجهد، حتى يتجنب الوقوف، و»تفويد» أحد الواقعين على قائمة المقاطعة.
وحتى لا يُفهم الكلام على غير محمله، فإننا نعرف جميعأً أن المقاطعة عملية متبادلة، حتى لو تبرأ البعض منها، أو تجمّل، ولكنها عملياً تتم وبشكل واضح، وما ان تصدر قائمة بالمقاطعة التجارية لمحلات، والدفع للذهاب إلى البدائل الأخرى ذات التوجه «السيامذهبي» نفسه؛ حتى يتلقفها الفريق الآخر ليقلب الآية، فيقاطع من حثّ الطرف الأول على التواصل معه، ويتواصل مع من حث ذاك الفريق على مقاطعته، وهكذا.
وحتى لا يُفهم الكلام على أنه تحريض أو تشجيع أو إملاء أو تحسين أو تسهيل أو ما شئتم من وصوف، فإنني سأتناول ما يقال عن جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (الوفاق)، بشكل أكثر من يومي، وفي أكثر من منبر، سواء منبر اجتماعي أو سياسي أو ديني أحياناً، وكذلك ما تتناوله صحافة مناوئة للوفاق من تحليلات، وما تسرده من تصريحات تأتي من تلقائها أحياناً، وأحياناً من خلال استطلاعات رأي على الطريقة الصحافية المعروفة، حتى بات اسم «الوفاق» مرتبطا بعدد من المعاني والتعبيرات والوصوف، منها: التحريض، التخريب، الحضّ، التأزيم، الإرهاب، الاعتداء، الفوضى... الخ من هذه الأوصاف البالغة السوء، والمثيرة للاشمئزاز من هذه الجمعية والعاملين عليها. ولكن الجمعية إلى الآن تعمل، وإلى الآن لها مقرها المفتوح برايتيه الزرقاوين اللتين تمثلان للجمعية يتوسطهما علم البحرين، وأستغرب: «ولها عين» هذه الجمعية بعد كل ما قيل ويقال عنها تمارس نشاطها وتستمر؟.
لست معنياً هنا بتفكيك مواقف «الوفاق» السياسية، وبياناتها وتصريحات قياداتها سواء من هذه الأزمة التي تشكل قمة عقد من التأزم السياسي الذي لم يهدأ، والذي تمثل في الكثير من أعمال الشغب في الشارع، والمسيرات التي يقول طرف إنها سلمية، وطرف آخر يشير إليها بإشارات أخرى، ولست كذلك معنياً في هذا المقام بتقييم دور الجمعية وقياداتها من الحراك السياسي بشكل عام، سواء في مقاطعة الانتخابات النيابية في 2002، ومشاركتها في 2006 و2010، ولا بدور كتلتها النيابية في تلك الدورتين، ولا في الاستقالة عقب أحداث 2011، فهذا أمر يحتاج إلى تتبع ودراسة معمّقة وتحليل، وليس لمجرد انطباعات إيجابية أو سلبية من هذه الجمعية التي كانت ولا تزال تشكل جدلاً واسعاً في الشارع السياسي البحريني، ويشكل تأسيسها فاتحة لجمعيات ذات طابع معين وتركيبة تتعلق أساساً بالانتماءات المذهبية في المقام الأول، لأن العتب على من رخّص وليس من تقدم بالترخيص؛ ولكن كل ما يمكن الحديث عنه في هذه المساحة هو «القانون» الذي وكأنه يقف متفرجاً على ما يجري من دون تطبيق حقيقي، حرفي كان أو أخذاً بروحه العامة.
فإذا ما كانت هذه الجمعية، مسؤولة مسؤولية كاملة وواضحة ولا لبس فيها عن أعمال التخريب والإرهاب والتنكيل والقتل الذي طال أناساً مختلفين (مواطنين ومقيمين، عسكريين ومدنيين) والتفجير المتنامي والقاوية شوكته والمتنوع الأشكال، وهي الجمعية المتهمة بالزجّ بالصغار المغرر بهم للخروج إلى الشارع، وإرباك المرور، وإشعال الإطارات، وإمطار قوات الأمن والمنشآت الأخرى مثل المدارس بالقنابل الحارقة (المولوتوف)، وإذا كانت «الوفاق» هي الجمعية التي تقف وراء قطع الطرقات، والاعتداء على الآسيويين، وكل هذا ثابت ثباتاً لاشك فيه، وأصابع الاتهام تشير إليها مدعمّة بالأدلة والبراهين؛ فلم لا يأخذ القانون مجراه الصحيح بإغلاق مقر الجمعية، وهذا أمر حدث مع جمعيتين سياسيتين مرخصتين خلال السنتين الأخيرتين، ولا يكتفى بهذا الأمر وحسب، بل ومحاسبة المسؤولين في الجمعية على كل ما تم سواء بالتسهيل له، أو دعمه بكل الطرق، أو الترويج له، أو المشاركة المباشرة أو غير المباشرة فيه. فواحدة من الأفعال التي تنسب إلى «الوفاق» كافية لأن تجعلها تحت المحاسبة.
الأغرب من هذا، إذا كانت «الوفاق» تتحمل كل هذه الأوزار، كيف يجلس ممثلوها اليوم مع الحكومة والنظراء السياسيين في حوار وطني، وأيديهم (بحسب ما يقال ويذاع وينشر) ملطخة بمزيج من الدم والبنزين والأصباغ والأموال الحرام التي يتم تقاضيها من الخارج؟!.
الحالة الأخرى، أي المقابلة للحالة الأولى، أن يكون كل هذا الكلام والتصريحات وما ينشر ويذاع ويبث، ما هو إلا محض اختلاق وافتراء على الجمعية وقياداتها وأفرادها والمنتمين إليها والتيار الذي تمثله «سياطائفياً»، وأنها براءٌ مما يُنسب إليها، وأن هذه الاتهامات التي تقال بحق جمعية سياسية مرخصة رسمياً لا يعدو كونه تحريض على الجمعية، ودعوة لكراهيتها، بل وربما يصل الأمر إلى الاعتداء على مقرها، أو على أفرادها، ولا أحد سيعلم حينها إلى أين يمكن أن تنتهي الأمور. حينها على القانون أن يأخذ مجراه أيضاً، بإخراس الألسن، والتصدي لما يمكن أن ينتج معه فتنة، لأن كل هذه التهم التي تلقى وبواسطة قنوات رسمية، إن لم يجد دليلاً له وسنداً فلابد وأن يحاسَب من أطلقه. والقاعدة الشهيرة «البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر» تنطبق هنا، فلا بد أن تأتي البيّنات، وتأتي الحقائق، ويتم تطبيق القانون، وإلا فإن المسألة تنقلب على من يدّعي في حال عجز عن إثبات ما يقول.
فهذا رأيي الذي ينطبق نفسه مع صاحب السوبرماركت، فإن كان آثماً مجرماً على القانون أن يجّرمه لا يجرّمه ويحرّمه الناس بحسب أهوائهم. وهو نفسه ما ينطبق على «الوفاق» التي على القانون أن يضع مسطرته عليها، فإما أن تكون مدانة أو أن الإدانة تنصرف إلى من يدّعي عليها... وتنتهي المسألة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية