العدد 2190
الإثنين 13 أكتوبر 2014
نصف إنسان بعقل كامل أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
الإثنين 13 أكتوبر 2014

تمثل العزيمة التي يزرعها المولى تعالى في الإنسان نقطة الارتكاز التي يواجه بها معترك الحياة بكامل قواه العقلية والجسمانية، ولكن عندما يكون هذا الإنسان منقوصاً في العقل أو في الجسد أو في كليهما فإن الواقع الذي يفرض نفسه يقتضي عقلاً لا منطقاً أن يكون بقدرات تقل عن قدرات أي إنسان آخر، وذلك متى سمح لليأس أن يدب في قلبه فيكسبه انكساراً أمام تحديات الحياة ومتغيراتها.
“كل ذي عاهة جبار” مقولة سمعتها ووعيتها ورأيتها واقعاً في حياتي عندما قلبت نظري ذات اليمين وذات الشمال فرأيت حقيقة ان هذه المقولة قد صدقت عندما كان من عرفتهم من أصحاب العاهات مبهرون بما يصنعون، فقد جعلتهم إعاقتهم إما أشخاصاً من المشهورين، وإما رواداً من رواد العمل الاجتماعي، وإما من أصحاب الخطب العصماء التي تلفت أنظار الجميع في مشارق الأرض ومغاربها.
أولئك الذين أتحدث عنهم كثر، ونماذجهم والحديث عنهم تعجز من أن تحصره السطور، وحصرهم والحديث عنهم يحتاج إلى أسفار ضخمة تبسط تفاصيل حياتهم، ولعل من نماذجهم المشرقة التي نبسط العبارات في هذا المقال للحديث عنها الطفل الرشيد غانم بن محمد المفتاح، الذي ولد كنصف إنسان بسبب إصابته بمرض نادر في العالم يسمى “متلازمة التراجع الذيلي”، وهو بسبب هذا المرض فاقد لحوضه ونصف عموده الفقري ونصف ضلوعه خلقة منذ ولادته، وهذا ما حال دون إمكانية تركيب أطراف صناعية له، ولكنه رغم أنه نصف إنسان إلا أنه ولد بعقل كامل رشيد.
وللتعرف على الطفل الرشيد غانم المفتاح لابد من متابعة صفحته على وسيلة التواصل الاجتماعي “الانستغرام”، التي تعتبر المنبر الذي يلتقي من خلاله مع جماهيره، ومن أراد أن يتعرف على عظمة هذا الطفل فليتابع هذه الصفحة التي بلغ عدد متابعيها قرابة النصف مليون، حيث يرصدون ويتابعون من خلالها مختلف المواقف التي يسجلها هذا الفتى الذي لم يتجاوز من العمر 12 سنة، ولكنه صنع ما لم يصنعه حتى أخوه التوأم الذي يرافقه في الكثير من زياراته هنا أو هناك.
لا أعتقد بل وأجزم بأنه ليس هناك طفل قام بما قام به غانم المفتاح، الذي استطاع أن يدخل قطاعات كثيرة، وقام بإنجازات كثيرة لم يقم بها كثير من الأطفال في سنه، ومما يستحق الذكر في هذا المقام مقطع فيديو منشور له على صفحته وهو يصلي إماماً وعمره آنذاك خمس سنوات، كما أن هناك مقاطع كثيرة فيها عرض للكثير من القيم حيث أراد أن يغرسها هذا الطفل الرشيد في وجدان متابعيه؛ ليبقى التساؤل المثار في هذا المقام... كيف يكون لطفل حرم من نصف جسده أن يقوم بكل هذا؟
أول ما أجزم به أن القوة التي حقق من خلالها ذلك هو إيمانه بربه تعالى عندما رضي بما قسمه المولى تعالى له من حاله، وثاني ما أعتقده هي عزيمته التي أعانته على كثير من هذا الإنجاز الذي حققه، فهو لم يجعل من إعاقته عائقاً لتحقيق القيام بالكثير من الأمور التي يعجز عنها الأصحاء، وأنجز الكثير والكثير من الأمور بحبه للجميع، هذا فضلاً عنه أنه يمتلك مشروعاً يستأثر من خلاله بدخل يرفع من منزلته المادية، بالإضافة إلى أمور كثيرة يستطيع المتابع لصفحته على “الإنستغرام” أن يكتشفها ليتعرف على مواطن الإبداع في حياة هذا الطفل اليافع.
 
زبدة القول
إنه غانم المفتاح الغلام الرشيد الذي يحب وطنه، ويعشق أمته، ويغرد كالطير الصبوح ما بين الفينة والأخرى لينشر ترانيم السلام في ربوع الأوطان، وبابتسامته المشرقة لطالما أسر الألباب مذ أن كان طفلاً رضيعاً، وليس من شك في أن لوالديه – وعلى وجه الخصوص – والدته الموقرة دوراً عظيماً في صناعة مجد هذا الطفل الهمام، الذي ولد كنصف إنسان، إلا أنه أبرز ذاته كإنسان رشيد بعقله رغم صغر سنه، فحفظه المولى تعالى لأمته، وأكثر عظيم أثره في خدمتها... اللهم آمين.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية