يمثل فيروس الفوضى داء خطيراً يصيب المجتمعات بداء تتفشى بسببه آفة عدم النظام والبعد عن الاستقرار، وقد أصاب هذا الفيروس المجتمعات العربية منذ العام 2011م بما عرف بالربيع العربي، فإذا كانت المجتمعات العربية تعاني قبل اندلاع هذا الربيع من داء الفوضى والبيروقراطية وفساد الأنظمة في جانب كبير منها على مستويات متفاوتة، فإنها بعد ما عرف بالربيع العربي قد باتت تعاني من فيروس الفوضى الذي تفشى بصورة عمت بسببها بعثرة في الأفكار وبناء التصورات حول غد مشرق ترنو له المجتمعات العربية.
قد يُستغرب في الجملة والتفصيل من ربط مصطلح الفيروس بمصطلح الفوضى، إلا أن هذا الاستغراب قد يكون غير معتبر عند بيان الرابط بين هذين المصطلحين، فالفيروس آفة تعاني منها المجتمعات تمثلها أمراض خطيرة تنتشر وتتحور بصورة يصعب احتواؤها، والفوضى كذلك في ظل سعة انتشارها وتحورها بصورة كبيرة باتت تمثل فيروساً خطيراً يصيب المجتمعات في مقتل؛ ذلك أن الخطأ لا يمكن معالجته بخطأ مثله، وإلا تولد عن هذا وذاك تفاقم في الموقف بصورة يصعب معها الاحتواء للمشهد بعد ذلك.
كنا نأمل بعد اندلاع الثورات العربية التي أطلقها البوعزيزي من تونس عندما أحرق نفسه أن نجد استقراراً سياسياً وتنمية حقيقية نتمكن من خلالها من إعادة الصناعة للمنظومة المدنية في المجتمعات العربية، ولكن ما جنته تلك الشعوب التي ثارت على حكوماتها بعد ذلك تمثل بشيوع فوضى عارمة تمثل بعضها باندلاع حروب مازالت رحاها تدور حتى يومنا هذا كما هو حاصل في سوريا، وتمثل الآخر منها بأزمة اقتصادية خانقة تحتاج إلى خطة قد تمتد لعقود لتجاوز حالة التأزيم التي سادت بسبب الفوضى كما هو حاصل في مصر وتونس، وتمثل بعضها باقتناص الجماعات المتطرفة الفرصة للاستحواذ على مقدرات البلاد والعباد في ظل انشغال الدولة بإخماد الثورة واحتوائها، وذلك كما حصل في اليمن حيث استولى الحوثيون على العاصمة في ظل غياب أي جهد من الدولة لاحتواء ما أحدثه ومازال يحدثه الحوثيون في سبيل إسقاط الدولة، وفي الوقت الذي نسمع فيه عن إشراف رئيس الدولة الحالي على إبرام اتفاقيات مع الحوثيين لاحتواء الموقف، نجد توسعاً في السيطرة والاستحواذ من قبلهم لمقدرات الدولة، فقد تمكنوا اليوم من العاصمة صنعاء واستحوذوا على منشآتها الرسمية بما فيها المنشآت العسكرية، وها هم يتوجهون إلى مدينة الحُديدة لزيادة استحواذهم على مزيد من المقدرات، فماذا جنينا من هذه الثورات غير الفوضى واختلال قواعد الأنظمة الحاكمة بصورة ضيعت الكثير من الفرص على المجتمعات العربية؟
ومن أجل ذلك، فإن النخب المتعقلة أياً كانت توجهاتها يقع ضمن نطاق مسؤوليتها الوطنية العظمى توجيه المجتمع نحو منظومة من الرقي في الحوار والتعامل والتفاوض حول مختلف المسائل المرتبطة ببناء الدولة؛ ذلك أنه متى ما غاب التعقل عن النخب التي لها الكلمة المسموعة في الدولة، فإنه لا محالة سيؤدي ذلك إلى مزيد من التمزق والتشتت في أوساط المجتمع بصورة من شأنها أن تعرقل الحراك الحواري الراقي حول مختلف ما يمس المجتمع من مصالح؛ لذلك كان رقي المجتمع بالنخبة التي تسود فيه وتوجه دفته نحو مزيد من التعقل والحكمة سبيلا إلى تحصين المجتمعات من آفة فيروس الفوضى الذي يمثل آفة خطيرة ومنهكة للمجتمعات.
زبدة القول
إن فيروس الفوضى يمثل آفة خطيرة متى ما انتشرت في المجتمعات فإنه يصعب احتواؤها لا على المدى القصير ولا على المدى البعيد، ولا شك أن ما تعرضت له بعض المجتمعات العربية بعد الثورات العربية أصاب هذه المجتمعات في مقتل بسبب هذا الفيروس بصورة مازال يصعب احتواؤها في غالبية هذه المجتمعات التي عمت فيها الفوضى إلى حيث لا رجعة.