العدد 2153
السبت 06 سبتمبر 2014
داعش وثقافة الدم أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
السبت 06 سبتمبر 2014

تطالعنا الأخبار بين الفينة والأخرى منذ عدة أسابيع عما أحدثته تلك الدولة التي نعتت نفسها بالدولة الإسلامية في العراق والشام المعروفة اختصاراً بـ “داعش”، وذلك حول تفاصيل تلك الأعمال الإجرامية التي يقوم بها المنتسبون لهذه الدولة، مدعين بذلك أنها جهاد ونضال يبذلون فيه الغالي والنفيس نصرة للإسلام والمسلمين، مهددين الدول المجاورة بأنهم قادمون لإعادة المنتسبين للإسلام أصلاً – كما يدعون – إلى دين الإسلام، وهم مازالوا وسيبقون يعيثون في العراق وبلاد الشام فساداً في الأماكن التي سيطروا عليها مقدمين أسوأ تشويه لحقيقة الإسلام في العصر الحديث.
أذكر قبل قرابة العقد من الزمان قصة حركة طالبان مع التماثيل الضخمة في أفغانستان هناك عندما أرادوا هدمها إعمالاً – وفق قناعتهم – لشرع الله باعتبارها أصناما، حيث ثارت في تلك الفترة عليهم حركة الرأي العام العالمي، وقام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بزيارة حركة طالبان التي كانت تحكم أفغانستان آنذاك وتفاوضت مع زعماء الحركة لنأيهم عن هدم هذه التماثيل دون مسوغ، وعلى الرغم من تصنيف الحركة من بعض القوى الغربية في تلك الأيام كحركة إرهابية، إلا أننا لم نسمع في تلك الأيام هذه البشاعة التي نرى حركة داعش عليها اليوم من شيوع ثقافة الدم كما تمارسها داعش اليوم، والتي أضحت حركة مجرمة تبرأت منها حتى الحركات المتطرفة بما فيها تنظيم القاعدة.
وحقيقة الأمر، فإن هناك أقاويل كثيرة قيلت حول حقيقة هذه الحركة يتم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك من يراها حركة متطرفة مثلها في ذلك مثل الحركات المتطرفة الأخرى إلا أنها استعجلت الأمور وأعلنت دولتها المزعومة، وهناك من يراها حركة عميلة زرعها الموساد الإسرائيلي والأنظمة الاستخباراتية لضرب الحركة المقاومة السورية للنظام الدكتاتوري لبشار الأسد من الخلف، وهناك من يراها نظاماً عميلاً زرعته المخابرات الإيرانية، وأقاويل كثيرة هنا وهناك تداولتها مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك حتى سمعنا أن هناك ألفي عنصر قدموا من الغرب للانضمام إلى صفوف الحركة، مما جعل بريطانيا تعلن قيامها بسحب جنسية أي مواطن يتوجه للقتال في صفوف داعش.
لقد نشرت حركة داعش المتطرفة المسيئة للإسلام، والتي شجب واستنكر أفعالها مختلف التوجهات في العالم الإسلامي من الأزهر الشريف وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وغيرها من الجهات العلمية في العالم الإسلامي ثقافة الدم وأساءت بذلك إلى الإسلام وأهله، وأياً ما كان تضارب الأقوال حول تصنيف وتوجهات هذه الحركة، فإنها أضحت اليوم أكبر حركة إرهابية خطيرة تمتد بجذورها التامة وتهدد شباب الأمة بالانحراف الفكري والتطرف.
إن مما يستلزمه الأمر في خضم هذه التحديات التي فرضتها الأحداث التي أدت إلى تصاعد وتيرة التداعيات من حركة داعش، ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والعالمية - كما دعا إلى ذلك خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في كلمته قبل عدة أيام التي وجهها إلى المجتمع الدولي -، حيث دعا إلى ضرورة الوقوف صفاً واحداً كمجتمع دولي لصد هذا الانتشار الخطير لهذه الحركة التي تبث وسائل الإعلام نشرها لثقافة الدم وانتهاك حرمة الإنسان بأبشع الصور، وذلك من خلال قيامها بتلقين الأطفال ثقافة الموت والقتل منذ نعومة أظفارهم.
لا يمكن مواجهة هذه الحركة إلا من خلال القيام بجهدين متوازيين، فأما الأول فيتمثل بمواجهة البطش الذي يقومون به بحق الأقليات في سوريا والعراق ببطش رادع مثله يقوض قوتهم ويكسر شوكتهم، وأما الثاني فيتمثل بفتح نطاق الحوار الفكري المتعقل مع هؤلاء لتصحيح المفاهيم المغلوطة السائدة حول الإسلام في قناعاتهم وتصوراتهم، وأتوقع أن هناك كثيرا منهم قد يهتدي بالمنطق ولغة العقل المربوطة بالدليل لبيان حقيقة مبدأ السماحة في التصور الإسلامي الراقي، وعدم ترك الحبل – كما هو الحاصل الآن – فيما يرتبط بهذا الجهد الذي ينبغي أن يقوم عليه العلماء الأكفاء الغيورون على الأمة، وذلك على غرار ما قام به الإمام علي بن أبي طالب (كرم المولى وجهه) في تعامله مع الخوارج قبل قرابة ألف وأربعمئة عام، وقصته مبسوطة بتفاصيلها حول ذلك في كتب التاريخ.
زبدة القول
إن وتيرة تصاعد الموقف بسبب ما تقوم به هذه الحركة متسارعة، والجهود المبذولة مازالت غير منسقة ولا تؤثر بالصورة المطلوبة لاحتواء خطورة هذه الحركة، وهذا الأمر من دون شك يستلزم عقد اجتماع دولي لتنسيق الجهود في سبيل احتواء خطورة الموقف قبل استفحال خطورة الحركة على نحو يصعب بعده الاحتواء.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية