طالعتنا الأخبار وكنا نتابع بشغف مع اقتراب موعد انعقاد اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون في جدة التحديات الجديدة التي ستواجه الأشقاء الخليجيين بعد انعقاد هذا الاجتماع، وكانت توقعاتنا تترقب مزيداً من الإجراءات ضد الأشقاء في قطر بناء على ما ظهر من عدم التزامهم باتفاق الرياض، إلا أن الريح جرت هذه المرة بما تشتهي السفن، والتحم الأشقاء الخليجيون من جديد، ونأمل أن تعود اللُحمة الخليجية كما كانت من قبل بل وأمتن من ذلك.
وعلى الرغم من النظرة التشاؤمية والتحديات التي كان ومازال يترقبها المحللون والمتكهنون، إلا أن الأزمة المندلعة بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة أخرى حلت ببابين مفتوحين، فعلى الرغم من عدم التقاء وجهات النظر حول عودة السفراء، إلا أنه جرى اتفاق على رغبة أكيدة في احتواء الموقف مع مزيد من الجهود لحلحلة هذا الملف، حيث جرى الاتفاق على وضع أسس ومعايير لتجاوز الخلافات في أقرب وقت ممكن عبر تنفيذ الالتزامات والتأكد من إزالة كل الشوائب وما علق بمسيرة المرحلة الماضية، ولا شك أن هذا الاتفاق يأتي في مرحلة يدرك فيها الجميع المخاطر التي تحيط بالمنطقة، مما يستلزم الاستعجال في إزالة كل العوائق والشوائب لاستكمال المسيرة الخليجية المشتركة.
وفي خضم هذه التحديات لشعوب الخليج طموح ألا تفرق هذه التداعيات الأشقاء من الساسة والدبلوماسيين، فالأوضاع ما عادت تحتمل مزيداً من الانشقاقات الناجمة عن التراكمات التي لا يتم حلها بصورة جذرية ومباشرة، وتخضع للتسويف لتتراكم بصورة تصعّب احتواءها بعد ذلك، الأمر الذي يستلزم مع اعتماد منهجية لاحتواء الموقف الراهن تبني استراتيجية مرنة تتمكن من خلالها الأطراف الخليجية من إزالة هذه التراكمات في سبيل تحقيق الآمال المرجوة لشعوبها التي لا ترغب إلا في مزيد من الوحدة والتلاحم.
لا نريد أن يكون ارتباطنا مقروناً بتطورات الظروف المحيطة، بل نريد استباق الأحداث وأن نكون باتحادنا على مقدرة بتجاوز مختلف التداعيات والمستجدات المتسارعة، فنظام مجلس التعاون الذي نص على أن الدول الموقعة عليه ستسعى إلى الانتقال من التعاون إلى الاتحاد قد تأخرت كثيراً في إقرار هذا الاتحاد، فهي منذ أكثر من ثلاثين عاما، وعلى الرغم من تسارع وتيرة التحديات المحيطة، وعلى الرغم من الإنجازات المتحققة ضمن إطار التعاون، إلا أنها مازالت غير قادرة على تلبية الدعوة الملكية من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود للاتحاد قبل قرابة الثلاثة أعوام، حيث لم يعلن عن قيام هذا الاتحاد حتى اللحظة، وكانت الصدمة لدى الشعوب الخليجية المتعطشة لهذا الاتحاد باشتعال نار الفتنة بين دول مجلس التعاون.
إن التحديات المحيطة ما عادت تستدعي مزيداً من التسويف والتأخير لإعلان الاتحاد الخليجي، فالحوثيون في اليمن باتوا يحاصرون العاصمة، وها هم يتحدون الدولة والخطورة تهدد دول المجلس بسبب ذلك، والصراع في سوريا مازالت رحاه تدور بتطورات مختلفة، وداعش أعلنت دولتها الإسلامية في سوريا والشام وتهدد دول الخليج بالاستهداف، وإيران مازالت تشعل الفتن هنا وهناك، فماذا بعد؟
لابد أن توضع النقط على الحروف، ولابد أن تتجاوز دول المجلس هذه المرحلة من المخاض الذي تمر به لتكون أكثر تماسكاً والتحاماً لا أكثر انشقاقاً وتشرذماً، الأمر الذي يستدعي حل المشاكل العالقة بصورة جذرية، مع اعتماد خطة لاحتواء أية مشكلة قد تطرأ على الساحة بين الأشقاء، والعشم في قادة دول المجلس كل الخير في تحقيق آمال وتطلعات شعوبهم نحو مزيد من تجاوز الخلافات والالتحام والوحدة.
زبدة القول
لا يمكن بأي حال من الأحوال في خضم التحديات التي تعصف بالمنطقة أن تنشغل دول المجلس بحل خلافات مازالت قائمة، فالخطب جلل، والتحديات متسارعة، وإن لم يتم احتواء خطرها في ظل الظرف الراهن، فإن ذلك سيكون ضرباً من المستحيل عندما تتراكم ويصعب تجاوزها بعد ذلك.