تمثل الطفرة النوعية التي حققها القائد التركي المحنك رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء لتركيا سابقة لم يحققها لبلاد الأناضول أحد قبله، وعلى الرغم من تأثيرات المشهد السوري على تداعيات الأحداث في تركيا، فإن ثمة تفاعلات أخرى تمثلها الاحتجاجات التي شهدتها ومازالت تشهدها عدد من الأقاليم في تركيا على خلفية مشروع تطوير ميدان تقسيم، فما بين رغبة المتظاهرين في رفض ذلك لاعتبارهم إياه دعوة إلى أسلمة تركيا العلمانية، هناك تأكيدات من رئيس الوزراء التركي على الرغبة في الاستمرار في مشروع تطوير ميدان تقسيم الذي ضمن أعماله بناء القلعة العثمانية التي هدمها أتاتورك هناك، وذلك في دعوة منه إلى إحياء التاريخ العثماني الذي يرمز إلى الحكم الإسلامي لبلاد الأتراك، كما أكد كذلك على ضرورة الدعوة إلى رفض بيع الخمور في الأماكن العامة إلا بتنظيم القانون، وأن هذه الاحتجاجات لن توقف الحكومة عن المضي قدماً في ذلك، وأنه إذا كان الاعتراض قد تمثل على ذلك بالقيام بمظاهرات وحركات احتجاج لبلوغ عدد معين، فإن باستطاعة حزبه حشد مليون متظاهر، مؤكداً بأن تسيير أمور البلاد واختيار الأكفأ لذلك تكون من خلال صناديق الاقتراع وليس من خلال الشارع، وقد أدت حالة التشنج بين عناصر الشرطة والمتظاهرين إلى قتل ثاني متظاهر يشعل الاحتجاجات ضد أردوغان، هذا إلى جانب إضراب نقابي عام، ليكون موقف الحكومة التركية بعد ذلك متمثلاً بالدعوة إلى التهدئة بـ (الاعتذار)، كما أكد نائب رئيس الوزراء التركي رفضه لتجاهل الشعب، وألقى خطاباً تصالحياً اختلف عن خطاب أوردغان الذي أكد بثقة تامة مواصلة اعتماد الحزم في مواجهة المتظاهرين الذين يتهمونه بالتسلط والسعي لأسلمة النظام العلماني في تركيا، داعياً إلى المنازلة في صناديق الاقتراع في الانتخابات المحلية المرتقبة في العام 2014م باعتباره واثقاً من وزنه الانتخابي، وهذا ما انتهى عليه المشهد التركي حتى كتابة كلمات هذا المقال؛ ليبقى التساؤل الذي يثار بعد ذلك... وماذا بعد؟.
وحقيقة الأمر فإنه بناء على تداعيات الأحداث التي تطور إليه المشهد التركي، وحتى لا ينفرط العقد ويتصاعد مسلسل العنف ليصل إلى مستويات تضعف فيها بعد ذلك القدرة على السيطرة على الموقف، وحتى يحافظ السيد أوردغان على ما حققه لوطنه من إنجازات غير مسبوقة، فليستمر على دبلوماسيته التي عهدناها منه، وليعلم بأن القضية في حكم الشعب لا تتمثل أبداً بصناديق الاقتراع، بل في القبول والاحترام من مختلف فئات الشعب على اختلاف توجهاتهم، وبالسعي إلى عدم الوقوع في دوامة العنف التي قد تجر البلاد والعباد إلى مالا تحمد عقباه، وما قام به أتاتورك من هدم لكل مقومات التدين والدين في بلاد الأناضول لا يمكن أن يتغير في سنوات عابرة، فهو قد هدم وهذا أسهل، وأنت تنوي البناء وهذا أصعب؛ لذلك فإن الأمر يستلزم طولة بال وهدوء للتعامل مع المشهد، لا سيما في ظل تصاعد وتيرة العنف وتداعيات الأحداث هنا وهناك.
لا أحد ينكر أن تطبيق شرع المولى جل في علاه يمثل الخير كل الخير في بناء المجتمعات الإنسانية على العدل والفضيلة والأخلاق، ولكن الإشكالية في ذلك تتمثل في كيفية تحقيق التطبيق الأمثل لهذه الشريعة الغراء من خلال ما تتأصل به مقامات النفوس قبل أي شيء، والعمل على تجاوز الكثير من المعضلات والمعوقات بما من شأنه تحقيق الاحتواء الأمثل بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولنبتعد عن أي إرغام للناس على الاستنارة بنور الهداية، ولتكن الجهود صادقة في دعم الدعاة لتفقيه الناس بأمور دينهم ودنياهم لإصلاح آخرتهم، وذلك بدلاً من اقتباس الأنظمة الغربية القائمة على الصراع بين فريق يصل إلى سدة الحكم، وآخر يصنف على أنه معارضة قد تتحور وتصبح في يوم ما نتيجة لتداعيات الأمور معارضة مسلحة، ولنستثمر تنوعنا من أجل تحقيق تماسك أكثر تحت راية الوطن والمواطنة، بعيداً عن لغة التهديد وإبراز موقف التصادم والمبارزة، ونسأله تعالى في كل حال تحقيق الاستقرار والأمن والأمان لبلادنا ولبلاد الأناضول وسائر بلاد المسلمين... اللهم آمين.
زبدة القول
رسالة نرفعها إلى رئيس وزراء تركيا السيد رجب طيب أوردغان كشخصية إسلامية نحترمها نقول فيها... لقد حققت لبلدك يا سيادة الرئيس وللعالم الإسلامي إنجازات حق لنا أن نفتخر بها، ونحن كمسلمون نعلم ما يجول بخاطرك من رغبة في هداية قومك في بلد بت أنت تحكمه بعد أن تسلطت عليه مخالب العلمانية البغيضة، فليكن لك في آخر الشهور من مشوار حياتك في رئاسة وزراء تركيا حظاً من الهدوء والتريث والدبلوماسية؛ تحقيقاً لتجاوز الكثير من المعضلات والمعوقات التي تحول دون تحقيق أهدافك وطموحاتك، وأسأله تعالى لنا ولك التوفيق في القول والعمل.