تمثل الأزمة السورية المتصاعدة منذ عدة أشهر إشكالية كبرى لصناعة الصراع الطائفي في المنطقة، هذا إلى جانب أن الأطراف المتحاربة هناك تمثل أطرافاً إقليمية يعرفها الجميع، وهي بذلك تتمثل بصراع إقليمي داخلي يمثله في جانب القوى الغربية ومعها الولايات المتحدة وتركيا والدول العربية، مقابل القوات النظامية السورية وإلى جانبها روسيا وإيران والصين، وليس من شك في أن دخول حزب الله على خط الصراع - وفق ما أعلنه الأمين العام للحزب - يمثل نقطة تحول خطيرة في تاريخ المنطقة، وهو ما ينذر بجر كثير من الدول إلى صراع طائفي خطير لا تحمد عقباه.
وبالأمس القريب دخلت على خط الصراع إسرائيل المزعومة، والتي صرح لها الرئيس الأميركي بأن تتخذ ما تراه مناسباً لدرء أي خطر يمكن أن يهددها بسبب الصراع الدائر في سوريا، وذلك شريطة ألا تكون طرفاً فيه، وهو ما ينذر بجر الحرب الدائرة في سوريا إلى مرحلة خطيرة تتعدد فيها الأطراف المتصارعة دون أن تتلاقى مصالحها، وهو ما يعني مزيداً من التداخل في الصراع بدرجة يصعب تفكيكها لا على المدى القريب ولا على المدى البعيد مع تصاعد الصراع هناك.
إذاً، هناك مسائل كثيرة متجددة على الساحة السورية تنذر بجر البلاد إلى مزيد من الخسائر التي يصعب تعويضها حتى على المدى البعيد، وعندئذ فإن التساؤل المثار... الأزمة السورية إلى أين؟... تساؤل يستدعي الإجابة الصريحة المقنعة من أهل سوريا متمثلين بقوى النظام ومن يدعمها، وذلك في مقابل الجيش الحر ومن يدعمه، فقبل عدة أيام أعلن حزب الله بأن سوريا لن يسقط فيها النظام إلا مع سقوطنا، وإسرائيل تقصف مركزاً للأبحاث العلمية التابعة للجيش السوري النظامي، وقبل ذلك الطيران السوري النظامي يقصف مواقع في تركيا؛ لتبقى المخاوف المثارة ضمن هذا النطاق متمثلة بهذا التساؤل الذي قد يولّد من الأزمة السورية بوادر حرب عالمية ثالثة لا يعلم مداها في الشرق الأوسط، قد تتداخل فيها أطراف يتأجج بينها الصراع بصورة محتدمة ومتشابكة لا يتضح ضمن نطاقها إطار المصالح وما سيؤول إليها حال بلاد الشام بعد نهاية هذا الصراع الذي لا تعلم له نهاية متكهّنة وفق المعطيات الدارجة على أرض الواقع.
إن مستقبل تأجج الصراع الدائر حالياً في سوريا ينبغي على الأطراف المرتبطة به بصورة مباشرة أو غير مباشرة أن تتوخى فيه الحذر كل الحذر حتى لا تدخل في نطاق التأجيج لصراع لا زالت فيه الحسابات غير محسومة، فأميركا تحاول أن تحمي إسرائيل من أي خطر يتهددها من هذا الصراع، والصين وروسيا تحاولان مع حليفتهما إيران حماية النظام السوري الذي يعتبر عميلاً لها، وبذلك فإن هذا الصراع يرتبط ببعد إقليمي باعتباره قائماً بين المعسكر الرأسمالي والاشتراكي، كما إن له كذلك صبغة طائفية خطيرة قد تكّون بإفرازاتها الخطيرة تداعيات لا يعرف مداها ولا منتهاها.
أما بالنسبة لدول مجلس التعاون فإن لها ومن دون شك حظا من التأثير والتأثر مما يجري في سوريا؛ وذلك لارتباط أطراف الصراع هناك ببؤر تأزيم وخلايا نائمة في دول المجلس التعاون ترتبط بالأحزاب الشيعية المتطرفة في سوريا ولبنان، فهي شاءت أم أبت لا بد أن تقول كلمتها في هذا الصراع المحتدم، ولا بد أن يكون لها تأثيرها لصياغة سيناريو النهاية لهذه الأزمة، وإلا فإن سلبيتها في عدم اتخاذ موقف في ذلك قد يجرها إلى مالا تحمد عقباه بأن يكون لهذه الأزمة تداعياتها المرة على مستقبل المنطقة في المستقبل القريب والمستقبل البعيد.
وبذلك فإن الحرب الطاحنة في سوريا هي حرب لها بعد طائفي قد يأخذ نطاقاً إقليمياً بصورة أوضح مما هي عليه؛ ليستوعب بعد ذلك العديد من الدول المرشحة بأن تكون أطرافاً مباشرة في الصراع، فكما إن هذه الحرب لها بعد عالمي يمثلها معسكران معروفين، فإنه ليس من شك في أن الإجابة على التساؤل المثار حول الأزمة السورية وإلى أين مآلها يستدعي الكثير من التوقف والاستقراء الاستراتيجي الاحترافي في بعده السياسي والعسكري والاقتصادي.
زبدة القول
تمثل نهاية الصراع المحتدم في سوريا الجريحة نقطة تحول في المنطقة ستجر تداعياتها الكثير من التحولات الخطيرة التي يمكن أن تمثل لحظة مخاض تستدعي القراءة الاستراتيجية من أجل صناعة دور فعال ومؤثر لما يجري على الساحة، وليس من شك في أن دول مجلس التعاون ينبغي أن تكون لها كلمة مؤثرة في ذلك حتى تؤثر في صياغة سيناريو النهاية لهذا الصراع المتصاعد.