العدد 1656
السبت 27 أبريل 2013
البعد الإقليمي للصراع الطائفي أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
السبت 27 أبريل 2013

يمثل الصراع الطائفي الذي برز بصورة ملفتة للنظر في عدد من الدول في الشرق الأوسط منذ العام 2011م مشكلة محلية ذات أبعاد إقليمية لا زالت تتوالى في التصاعد إلى مستقبل مجهول قد لا يدرك أبعاده أولئك القيادات التي برزت على الساحة وقادت المنطقة إلى هذا الصراع الخطير.
لا أتكلم ولا أعني بذلك مدى وجود صراع طائفي في البحرين وحسب، بل هناك صراع طائفي في غالبية دول إقليم الشرق الأوسط، وهو مرجح للتطور إلى ما لا تُحمد عقباه، حيث وصل إلى مرحلة التأجيج المتصاعد الذي وصل إلى حد الاقتتال بالأسلحة الخفيفة والثقيلة في سوريا الجريحة، كما امتد شر هذا الصراع إلى لبنان الذي هو في الأساس لا زال يعاني من تداعيات الصراع في بلاد الشام، أما في العراق فإن ما يحصل فيها من ثورات على رئيس الوزراء نوري المالكي يمثل بادرة لتصاعد حدة الصراع الطائفي بصورة قد تنذر بجر العراق إلى مزيد من التأجيج والفتنة الطائفية بصورة قد يصعب احتوائها في المستقبل القريب.
إذاً فالدول التي كان يتعايش فيها السنة والشيعة بصورة نموذجية يتأجج ضمن نطاقها الصراع الطائفي بصورة متصاعدة بلغت حدتها الكبرى في سوريا، وهي مرشحة للتصاعد في لبنان والعراق، والأمر مفتوح لها لارتباطها ببعد إقليمي في دول أخرى، فماذا عسى المجتمع المدني ومؤسساته أن يسجل من موقف لمواجهة هذا التصاعد في وتيرة التأجيج الطائفي في هذه الأوطان ؟
وفي حقيقة الأمر فإن السبب في ارتفاع وتيرة هذا التأجيج واضح ولا غبار عليه، وهو يتمثل ببروز قيادات ذات فكر متطرف انعكست أفكارها على سلوكيات الأتباع، وهو أدى بالتالي إلى تبني قطاع عريض من أبناء الشعب لفكر يطغى عليه البعد عن الموضوعية المتمثلة بالتأكيد على أن التعايش حاجة لا مناص عنها بين من يدين بمختلف الأديان والمعتقدات والمذاهب، وأن الضرورة باتت ملحة من أجل بناء منظومة متكاملة لصناعة دور أبرز لاحتواء حالة التأجيج الطائفي في المنطقة بصورة أو بأخرى، وذلك وفق خطة استراتيجية مدروسة يتابعها ويشرف عليها رجال الدين المعتدلين من مختلف المذاهب والانتماءات إلى جانب الأخصائيين في علم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من العلوم الإنسانية المرتبطة بمعطيات تعايش المجتمع.
وحتى نحقق احتواء لحالة التأجيج الطائفي الذي بات يهدد مستقبل المنطقة في مقتل، فلا بد من إدراك أبعاد المشكلة ومصادر تفاقمها، فهي ومن دون شك ينبع تأجيجها في الدول العربية من طرف معروف وهو نظام الولي الفقيه الذي يسعى من خلال تصعيد تأجيج الفتنة الطائفية إلى تحقيق أطماعه التوسعية في المنطقة؛ لتكون الخسارة العظمى بعد ذلك على الجميع دون استثناء.
وحقيقة الأمر ولب الموضوع الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن هناك خطأ فاحشاً لدى كثير من الدول التي تأجج فيها الصراع الطائفي، وهو يتمثل بعدم وجود عدالة اجتماعية وبرامج لدعم المواطنة الإيجابية التي تضع الانتماء للوطن فوق الانتماء للطائفة، هذا فضلاً عن غياب استراتيجيات لتنمية قدرات الشباب لتعزيز قنوات العطاء لدى هذه الفئة من خلال تنشئتها على القيمة الإيجابية المثمرة.
ومن أجل ذلك فإن القيادات المتعقلة في المجتمع ضمن مختلف الفئات والانتماءات لا بد أن تعمل على توحيد جهودها لمواجهة ارتفاع حالة التصعيد الطائفي في الدولة وعلى المستوى الإقليمي لارتباط كل منهما بالآخر، كما لا بد من استقراء الجذور التي أدت إلى حالة هذا التأجيج من خلال مختلف الأبعاد لاستقراء حجم المشكلة ومن ثم تحقيق استيعابها واحتوائها من أجل مزيد من التهذيب والتوظيف لها على نحو يتحقق من خلال استثمار حالة التنوع الموجود في المجتمع، وذلك بدلاً من التوجه إلى مزيد من التأجيج دون اعتماد خطة للاحتواء الاستراتيجي للموقف ببعده المحلي والإقليمي، لا سيما وأننا لم نصل إلى مرحلة الخطر في ذلك بشكل عام في غالبية الأقاليم التي تعاني من هذه المشكلة، والاستعانة للتوفيق في ذلك برب الأرباب ومسبب الأسباب سبحانه، فهو من نجتمع على عبادته، ونلتزم بأحكام دينه التي لا ترتبط إلا بأمة قوية متماسكة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
زبدة القول
تبقى المسؤولية في احتواء حالة السعار الطائفي في المنطقة مرتبطة بجهود العقلاء والحكماء من مختلف الانتماءات، فنحن في فترة ما عاد يجدي فيها البكاء على اللبن المسكوب شيئاً، كما أن ما تمر به المنطقة من توجه الصراع الطائفي إلى الارتباط ببعد إقليمي يحتم اعتماد سياسات الاحتواء لهذا الداء العضال على هذا المستوى، والاستعانة في ذلك بالمولى العزيز القهار.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .