العدد 1628
السبت 30 مارس 2013
الإصلاح بالإفساد – الثورات العربية التي سقطت فيها الأنظمة نموذجاً أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
السبت 30 مارس 2013

عندما قامت الثورات العربية في عدد من أقطار الدول العربية كان هناك تفاعل مع هذه الثورات باعتبارها تمثل نقطة تحول لبناء غد مشرق لهذه الأمة التي تكالب عليها الفساد طيلة عقود مضت منذ استقلالها، حيث عاش عدد من هذه الأقاليم لحظات عصيبة حتى دخل العام 2011م وأشعل البوعزيزي ثورة تونس التي توالت بعدها الثورات في مصر وفي ليبيا وفي اليمن، وهي الأقطار التي تغيرت فيها أنظمة الحكم؛ لتنتظر بعد ذلك الشعوب لحظات الغد المشرق الذي لم تشرق شمسه بعد في أي من هذه الأقاليم، حيث مازالت الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية متفاقمة فيها، ومازالت هذه الثورات عاجزة حتى عن بناء قاعدة صلبة لصناعة التغيير المنشود الذي ضحى من أجل بناء أرضيته شباب بأرواحهم من خلال هذه الثورات، فأين تكمن إذاً الإشكالية في ذلك؟.
إن الإشكالية تكمن في عدم القدرة على الربط بين الوسائل والأدوات والنتائج والأهداف، حيث ان ما يمكن نعته بـ (فقه الثورة) لا يكاد يتواجد حتى في قناعة من تقلد سدة الحكم بعد سقوط الأنظمة في هذه الدول فضلاً عن الشعوب ضمن مختلف طباقاتها الثقافية، فما خططت له التنظيمات السياسية قد تشتتت أوراقه وتبعثرت لتنصدم بعد ذلك بالواقع المرير الذي تعاني كانت ومازالت تعاني من تداعياته المريرة والمتفاقمة، فهم يعلمون أن هذه الثورات ما قامت إلا لأن هناك مشكلة اقتصادية في البلد، كما أن هناك مشكلة في الحريات وفي الحراك السياسي يستلزم إصلاحاً مغايراً، ولعل ما يمكن به تقريب المقال في هذا المقام لتوضيح ذلك التأكيد بأن ما قامت به شعوب هذه الدول أشبه بهدم برج سكني به تصدعات قدّرت به هذه الشعوب أنه لم يعد يصلح للسكن بسبب فساد النظام السابق، فجعلت تهدمه وتردمه وفي ثوانٍ معدودة استوى بالأرض، إلا أنها ما علمت أبداً أن البناء بعد ذلك بما يستوعبه من وضع لحجر الأساس وإعادة للتصميم والبناء من جديد يستلزم فترة تفوق ذلك بكثير، حيث إن عوام الناس ظنوا – بعدما تعرض له اقتصاد البلد من انتكاسة كبرى – بأن ثمرات الثورات سيجنونها في شهور معدودة وستتغير معيشة الناس بصورة واضحة إن لم تكن جذرية، ولكن واقع الحال تقرر من خلاله بأن ذلك يستلزم سنوات إن لم يكن عقوداً حتى يجني الجميع ثمار هذه الثورات التي قامت بها الشعوب هذا إن بنوا أرضية صلبة لبناء ذلك، فهم قد عجزوا حتى عن بناء الأرضية الصلبة لصناعة استراتيجية التغيير من خلال مختلف المستويات، فقد مضت سنتان والأوضاع لم تتغير ذلك التغيير الذي يبشر بولادة لحظة التغيير المنشود.
إذاً هناك خلل وضعف في استيعاب فقه الثورات، وكيف أن هذه الثورات تستلزم في المقام الأول الصبر والتعاضد بين مختلف القوى السياسية التي تنطلق بحسها الوطني نحو تحقيق مخرجات التغيير برؤية جماعية، وهو ما يستلزم إعادة صناعة الائتلاف حتى مع فلول الأنظمة السابقة في هذه البلدان، وذلك بدلاً من الصراع معها بروح الانتقام وهو مالا يجدي أي طرف من الأطراف أي نفع يمكن اكتسابه، وهو ما قرر ضياع انطلاق الجميع من نقطة البداية لصناعة مجد الوطن القادم.
إن ما يجري في كثير من الأقاليم التي سقطت فيها الأنظمة الحاكمة هو أن الفئة التي استحوذت على الحكم ما زالت تسعى للإصلاح بالإفساد، حيث تسعى من خلال ذلك إلى بناء الدولة الجديدة على أنقاض الدولة التي زالت ولو كان ذلك على حساب مصالح كانت قائمة بمسوّغ شرعي، وهذا ما يمثل أعظم أخطائها، كما أنها ما زالت عاجزة عن تحقيق توحيد القوى السياسية لتحفيزها للمساهمة في لحظة الانطلاق التي تترقبها الشعوب، كما أنه عجزت كذلك عن زرع ثقافة البعد الاستراتيجي لدى الشعب بمختلف مستوياته الثقافية حتى يؤمن بأن هناك مجداً قادماً ينبغي أن يساهم فيه وينطلق من خلال بمرتكزات متماسكة، وذلك بما يمكن من خلاله تحقيق اعتماد جماعي لأسس صناعة الوطن الجديد القادر على تحقيق الرفاه للمواطن، وهو ما يستلزم صبراً ووقتاً وعزماً، وإلا فإن أي تخبط من أي طرف كان دون ربطه ببعد استراتيجي يمكن اعتباره بمثابة إصلاح بإلافساد، وهذا ما نراه في جانب مما تمارسه السلطات الحاكمة في تلك الدول التي سقطت فيها الأنظمة التي كانت قائمة، فإلى متى تستمر هذه المهاترات السياسية التي لن تجدي شعوب هذه الدول إلا انتكاساً وحالة من التخلف المتراكم؟.
زبدة القول
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحقق الإصلاح كثقافة رائدة وغاية سامية من خلال وسائل لا يمكن تصنيفها إلا ضمن نطاق المفسدات التي ليس من شأنها إلا زيادة الطين بلة، ولعل ما يجري في عدد من الأقاليم التي سقطت فيها الأنظمة ما يمثل باعثاً على لحظات انتكاس قادمة نسأله تعالى أن يخفف وطأتها على شعوب هذه الدول، وأن يهدي مختلف انتماءاتها السياسية لنقطة البداية التي ينبغي أن يتحقق من خلال لحظة التغيير المنشود.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .