يمثل عنوان المقال اقتباساً من مقال آخر نشر في مطوية تصدر عن مؤسسة العلامة السيد علي الأمين للتعارف والحوار بلبنان حصلت عليها أثناء لقاء جمعني مع أحد أحباب السيد الأمين في الجامع الفاتح، وهي مطوية تصدر عن المؤسسة تحت عنوان “لتعارفوا”.
وقد لفت انتباهي مقال تضمنته المطوية تحت عنوان: “رسالة مفتوحة إلى أخي الشيعي” في آخر صفحة منها، وهو مقال طويل فاقت كلماته الألف كلمة كتبه القاضي الشرعي الشيخ محمد نقري، بدأه بذكرى براءة التعايش بين السنة والشيعة في لبنان في ملاعب الصبا، وكيف كان التعايش بين السني والشيعي في لبنان في ميادين العمل التي تخص طائفة دون أخرى، مستغرباً كيف تم التصنيف إلى سني وشيعي دون اعتبار، حيث يجمع كلا من الطرفين محبة أهل البيت، كما تجمعهم صلاة إلى قبلة واحدة ومناسبات دينية عديدة توحدهم ولا تفرقهم، مؤكداً أن هذه الحقائق تؤكد بأننا مسلمون في المقام الأول قبل أن نصنف إلى كذا وإلى كذا وإلى كذا.
كما استذكر الشيخ نقري في مقاله كيف كان العيش يجمع شيعة وسنة لبنان في محبة ووئام وجوار وطمأنينة وسكينة، وذلك إلى أن دخلت ما وصفها بشياطين الأنانية وإرادة السطو ومظاهر غلبة السلاح والكتب الصفراء الحاقدة وما إلى ذلك مما ذكره، والتي عبرت – على حد تعبيره - عن استحضار حالة من الصراع في التاريخ لإسقاطها على الواقع، وما ارتبط في فهم النصوص حول ولاية علي، وكيف فهمت هذه الولاية ضمن نطاق منظورات مختلفة، وذلك حتى تخندق فريق يدعي الانتماء لطرف على حساب العداء لطرف مقابل. وقد استعرض الشيخ نقري كذلك حوادث التاريخ مبيناً كيف جمعت المحبة بين الآل والأصحاب في أيام الرسالة وبعدها، وكيف أدى الخلاف بعد ذلك في الولاية والصحبة إلى إطلاق مثل هذه التسميات والتصنيفات، مع أن الجميع دون استثناء شيعي بحبه لآل البيت، والجميع في ذات الوقت سني باتباعه لسنة المصطفى العدنان عليه أزكى الصلاة والسلام، إلا أنه على الرغم من وجود العديد من القواسم المشتركة، ورغم السماحة التي يدعو إليها الإسلام بين مختلف من ينتمي إليه دون استثناء، إلا أن التمذهب المقيت المبني على التعصب والطائفية جاء على حساب وحدة الكلمة ومواجهة العدو المشترك.
ووجه الشيخ نقري في ختام كلمته إلى ما يقوم به الإعلام من تأجيج لحالة الطائفية البغيضة السائدة في العديد من المجتمعات التي يتجاور فيها السنة والشيعة، داعياً إلى ضرورة اجتماع الكلمة على محاربة الفرقة والفتنة، وأن يكون من الاختلاف ثمرة لبناء مستقبل الوطن، مؤكداً ضرورة عدم الاعتداء على براءة الأطفال بإثارة هذه القناعات ضمن فكرهم ووجدانهم، وأن يكون البعد الإنساني في ذلك هو القاسم المشترك والجامع بين كل من ينتمي إلى جنس بني الإنسان.
وإسقاطاً لمحاور هذا المقال على واقع البحرين، ومن خلال ما يجري ضمن نطاق حوار التوافق الوطني الذي يعوّل عليه شعب البحرين لتحقيق الأهداف والغايات المرجوة، فلابد أن تفقه مختلف الانتماءات المشاركة في هذا الحوار ضرورة ألا يؤدي الشقاق السياسي إلى عدم الرغبة حتى في تحقيق التعايش والانسجام بين فئتين تعيشان على جزيرة واحدة، ويجمعها دين واحد.
أعلم أن الأحداث التي مرت في البحرين قد أججت حالة من الكره المتبادل وتصنيف الطوائف ضمن قوالب فيها الكثير من التعميم الخاطئ، وأعلم أن هناك من يعمل ضمن نطاق العمالة لتحقيق مآربه وأهدافه، وأعلم أن الحال وصل بيننا إلى تمني كل طرف أن يرتفع هذا الحال عنا، وأن نعود إلى سابق عهدنا منسجمين متعايشين انطلاقاً من التأكيد على أن الجميع في مركب واحد، والجميع يتأمل الخير كل الخير لهذا البلد المعطاء، ولكن لا يمكن تحقيق ذلك ونحن نفقد في كل يوم جانباً من ترابطنا ووحدتنا وانسجامنا.
لا أحد ينكر أن هناك حالة من الانسجام والتعايش والصداقة بل والتزاوج بين الشيعة والسنة، كما أن التعايش كذلك كان ومازال بينهما في العراق وفي سوريا الجريحة وفي لبنان، إلا أن الإشكالية تبقى متمثلة في وجود أطراف من كل جماعة لا يهدأ لها بال إلا عندما ترى حالة من التأجيج والصراع المدمر في المجتمع بين هذه الطائفة وتلك، وهنا يتمثل دور العقلاء من كل فريق كي يفرضوا واقعاً من التعايش والانسجام، وليغرسوا في ثقافة المجتمع جانباً من التعقل وتأكيد البعد الإنساني في بناء العلاقات المشتركة والمنسجمة في الوطن الواحد.
زبدة القول
يمثل مقال الشيخ نقري المشار إلى محاوره حالة من التندم والحسرة على تصاعد وتيرة حالة التشنج بين الشيعة والسنة في العديد من المجتمعات العربية بما فيه المجتمع البحريني، ولاشك أن ذلك يرجع إلى ارتفاع شعبية فئات متطرفة من الفريقين لا تسعى إلا إلى تأجيج الصراع وبناء مصلحتها على حساب مصلحة الطرف المقابل؛ ليبقى الجهد بعد ذلك على المتعقلين من المنتمين إلى الطائفتين لإيجاد أرضية صلبة لتجاوز الحالة الراهنة؛ وذلك لإعادة الأيام الجميلة التي كان يعيش فيها الجميع مترابطين متحابين لا يجمعهم إلا الانتماء لهذا الوطن المعطاء، ولا شيء غير ذلك.