ليس منا من لا يطمع في حياته الضفر بأحد الثلاثة إن لم يستطع الجمع بينها، ومن ذا الذي يكره؟ وأذكر أنه كان أستاذ اللغة العربية في الابتدائية يطرح علينا ضمن موضوعات الإنشاء لنكتب عنها، ماذا تود أن تحقق في المستقبل؟ فنتمنى النجاح دائما، وحين أصبحنا في الثانوية والإعدادية كنا نفضل الوظيفة والمنصب، هذا يريد أن يكون طبيبا أو مهندسا أو طيارا، وذاك ضابطا أو زعيما، وقليل من يفكر بالثراء أو يتمناه، فالناس أيام زمان قريبون من بعضهم وسواسية في مظهر العيش ولا يعرفون مغريات الثراء ومباهجه كما نعرفها اليوم، وفي الجامعة بدأت تتضح لنا هذه الفوارق هذا ابن ثري من ملابسه وسيارته ونمط تصرفاته، وهذا ابن مسؤول كبير في الدولة، وذاك متوسط الحال، وبدأت طموحاتنا تتفتح ورغباتنا تكبر، فمنا من يفضل الغنى والثروة، ومنا من يفضل النجاح من أجل المركز والجاه والشهرة، وقليل من يفكر في المحبة والوئام.
وذات يوم كنت مع زوجتي في مركز للتسوق وسط القاهرة، وحصل ما يحصل عادة بين الأزواج من خلاف بسيط فتركتني وعادت إلى السيارة تكفكف دموعها بصمت، ويبدو أن هناك امرأة تراقبها ولما عدت إلى السيارة اقتربت منا، وقالت حتى أنتم أهل السيارات الفخمة تعرفون كيف تبكون؟ فماذا نفعل نحن؟ فقالت لها زوجتي بعصبية ماذا تريدين؟ خذيه هو وسيارته، ثم انفرطت بالضحك. فهناك من يتصور السعادة بمجرد امتلاك سيارة فخمة، وكم من غني شغلته أمواله ومصالحه وعاش ما بين المكتب والسفر ونسي ما معنى السعادة فلم يتذوقها، وكم مسؤول شغله منصبه المهم عن زوجته وأبنائه فعاش محروم البهجة واللذة ووئام الأسرة ومتعة اجتماعها على سفرة الطعام.
ودخلت مرة قاعة الدراسة في الجامعة فوجدت الطالبات يحتفلن بزواج إحدى زميلاتهن واستأذن دقائق لتهيئة القاعة، وحين سألت إن كان العروس من الجامعة؟ فأجاب طالب لا، من خارج الكلية، فقلت على سبيل المزاح أنت فرحان! لو كنتم “كدعان” ما تركتم خيركم لغيركم، فاستحسنت الطالبات التعليق وعلت أصواتهن وصفقن استحسانا، وخطر لي أن أسأل الطالبات هل تفضلن الزواج من زميل تعرفنه جيدا، فقالت إحداهن “أستاذ إذا انتظرت زميلي، سأعجّز ولن أخلّف”، زملاؤنا وراءهم حمى وجدري خدمة عسكرية وسنوات انتظار وعندما يكوّنون أنفسهم ويستعدون للزواج، فإن راتبه لن يغطي تكلفة حذاء وحقيبة يد”، وتحدثنا وقتها ولو باختصار عن أهمية ثقافة التفاهم والانسجام والمودة وسعادة الكفاح معا للتغلب على مصاعب الحياة، فليس بالمال وحده نحقق السعادة. والمثل يقول: “يا آخذ القرد على ماله يفنى المال ويبقى القرد على حاله”.
في اليمن خلال الاختبارات النهائية، خرجت إحدى الطالبات من القاعة الامتحانية مسرعة وفُتحت حقيبة يدها عفوا فتناثرت حاجاتها على الأرض ورجل الأمن الطلابي يساعدها بجمعها، فلما ابتعدت سألته إن كان يرغب بالزواج من إحدى الطالبات، فأجاب لا يا أستاذ “الله المغني” راتبي كله لا يملأ الشنطة. فهموم الحياة وشكلها الخارجي عطلت تفكير الشباب بالتفاعل الإيجابي والتعاون في الحياة الزوجية والأسرية. ونسمع من جداتنا أيام زمان أنه إذا كان أهل الشاب يمتلكون بيتا ونخلة فزوجه ابنتك ولا تخاف عليها! وفي الحديث الشريف، خذوهم فقراء يغنكم الله.
ومن قصص تنمية الذات، أن امرأة رأت في جوار منزلها ثلاثة رجال لا تعرفهم بوجوه سمحة ولحى بيضاء يتناولون بعض كسر الطعام فقالت، غرباء مسافرون وجوعى! الخير بحمد الله كثير تفضلوا، فرفضوا الدخول إلا بوجود رب البيت، وبعد برهة حضر زوجها فدعتهم للدخول. قال أحدهم: لا ندخل مجتمعين، هذا الثروة وأشار إلى زميله، وهذا النجاح وأومأ إلى الآخر، وأنا المحبة، سلي زوجك من يريد منا: أخبرت زوجها فغمرته السعادة وقال: حسنا، لندعو الثروة وليمتلئ منزلنا بالثراء، فقالت الزوجة: لم لا ندعو النجاح لينجح ولدنا؟ وقالت ابنتهم الشابة: أليس الأجدر دعوة المحبة؟ ليمتلئ منزلنا بالحب؟ فاستحسنوا اختيارها! خرجت المرأة وسألت: أيكم المحبة؟ ليتفضل وليكن ضيفنا أولا، نهض المحبة، فنهض الاثنان الآخران وتبعاه! والمرأة مندهشة، فقال كبيرهم: لو كنت دعوت الثروة أو النجاح لظل الاثنان الباقيان خارجاً، ولكنك دعوت المحبة وأينما توجد المحبة، يرافقها الثراء والنجاح، فبالمحبة نمتلك كل شيء.