العدد 2191
الثلاثاء 14 أكتوبر 2014
أمير السطوح والمسلسلات العربية والتركية د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الثلاثاء 14 أكتوبر 2014

بحكم عامل الزمن وأنا في السبعين لم تعد تستهويني متابعة الأفلام والمسلسلات إلا لمما، وكنت في صغري شغوفا بمتابعة التلفزيون حيث العراق أول قطر عربي امتلك محطة بث تلفزيونية، كانت تغطي مدينة بغداد فقط، لذلك انتقلت من القرية إلى بغداد لإكمال دراستي الثانوية ولا أعرف ماذا تعني كلمة تلفزيون، وإنما أسمع حديث الطلبة ولا أعرف عن ماذا يتحدثون، ولما سألت أخي الذي يكبرني عن التلفزيون اصطحبني ليلا إلى المقهى لأراه أول مرة، عام 1958 وكان البث يقتصر على الفترة المسائية، لم تكن المسلسلات شائعة في ستينات القرن الماضي، ولم يكن لدينا في البيت تلفزيون كسائر البيوت متوسطة الحال، وليس في اليد حيلة، فكان أخي يسمح لي ليلة الخميس على الجمعة فقط الذهاب مساء إلى مقهى الطرف أو الحارة مع كثير من رفاقي أي على بعد 100 متر من دارنا لمشاهدة فلم السهرة الذي كان ينتهي دائما في الحادية عشرة والنصف ليلا، ومحطة البث التلفزيوني تختتم بثها في الثانية عشرة منتصف الليل، بعد عرض موجز الأنباء وقراءة القرآن الكريم.
وأذكر من المسلسلات التي اشتهرت في الستينيات المسلسل المصري “بنت الحتة” ويعرض كل أسبوع حلقة، فكنا نتجمع لدى جيراننا حيث يمتلكون تلفزيونا لمشاهدة المسلسل، ولكثرتنا نجلس على الأرض للمشاهدة ولا نتكلم. وكنت أول من اشترى جهاز التلفزيون والثلاجة من بين إخوتي عام 1970 حيث فضلت السكن مع والدتي بعد تخرجي من الكلية، وكان أبناء أخي الأكبر يأتوننا دائما لمشاهدة التلفزيون بالأسود والأبيض.
وأعترف أنه كانت الأفلام العربية تثير غرائزنا وتوقظ أحلامنا، ولاسيما أفلام الحب والعشق الرومانسي الفاضح، وتعطينا فكرة مشوهة وبعيدة عن الواقع. وكانت الأفلام المصرية الوحيدة المسيطرة ومنها تعلمنا اللهجة المصرية، وأعطتنا عن مصر فكرة سيئة مختلفة عن واقعها وحياتها، كنا نشاهد ممثلات الإغراء يتبخترن بعرض أجسادهن ونتخيل الحياة المصرية كلها حب ومجون حتى سافرت إلى مصر عام 1975 للدراسات العليا واكتشفت أن مصر بلد الزهد والعلم والعلاقات الاجتماعية النظيفة، “وفي كل زور واوي” فعجبت كيف يشوه فنانونا الكبار قيمنا وعاداتنا وسلوك مجتمعنا المسلم.
وما جعلني أكتب هذا المقال اني شاهدت أم أبنائي تتابع عرض المسلسل الكوري أمير السطوح، ومعها أحفادها على القناة الرابعة MBC في حين الشائع بين الناس متابعة المسلسلات التركية، ولما استفسرت عن شغفها بالمسلسل وهذه ظاهرة غريبة لمن هم في أعمارنا طلبت مني مشاركتها في المشاهدة فرأيت العجب. في القرن الحادي والعشرين أشاهد مسلسل تلفزيوني كوري، رومانسي كلاسيكي واقعي في الوقت نفسه، فلم غرامي اجتماعي يعرض كل ما هو حسن وقبيح كما هو مع تجنب كل مشهد لا يليق عرضه على الناشئة، وكان أحد أصدقائي ممن عمل في كوريا يحكي لي قصة الفساد والانحراف وشيوع الجنس في كوريا كأي مجتمع حديث منفتح، ولكن في هذا المسلسل لم أشاهد التعري والإغراء والمواقف المثيرة والشاذة التي أشاهدها في الأفلام والمسلسلات العربية والتركية حتى في شهر رمضان المبارك، مع أننا عرب ومسلمون لا تسمح لنا قيمنا بذلك، فلماذا تركنا أخلاقنا وقيمنا ليتمسك بها أقوام لم نعهد لهم مثل أخلاقنا وقيمنا؟
رأيت الفرق الشاسع بين مسلسل أمير السطوح، ومسلسل حريم السلطان على سبيل المثال والأمثلة لا تحصر، كيف نعطي عن أنفسنا غير ما يعرف عنا ونؤمن به، وشائع بيننا، فالخليفة الرمز ماجن وزوجاته فاجرات، مع انه معروف بحسن الدين والسلوك، وشاهدت في المسلسل الكوري العفة والالتزام بالقيم والتقاليد والأخلاق واحترام سمعة الأسرة، وجدت النبل والوفاء والحب وحتى السقوط والخبث بلا مشاهد مثيرة، وجدت ما يعلم النشء كيف نحب وكيف نبني علاقتنا على طهر، مع انه لم أسمع كلمة دين ولا حلال ولا حرام ولا تحرر ولا تشدد كما نشاهد ونسمع بأفلامنا التي يتعلم منها النشء الخيانة وكيف يصبح اللقيط زعيما وغنيا وجيها، وكيف تمر الخيانة بلا عقاب ولا حساب، وكأن المجتمع الإسلامي يبارك التجاوزات ويتقبلها بيسر.
ألا قاتل الله الفن الذي يهزل الأمة ويسيء إلى الوطن، ويختزل الشعب والمجتمع بنماذج نادرة معزولة، ويهرول نحو الربح الرخيص، يبيع الجسد واللحم الخسيس والكلام الهابط بأبخس الأثمان، لا يراعي حرمة ولا يبقي مستورا، ولا يحرص على ما تحرص عن كشفه حتى الحيوانات، ويشيع الفاحشة عن قصد وتعمد، ولم يظلم فنانونا شعوبهم فحسب وإنما كانوا أنفسهم يظلمون.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .