العدد 2188
السبت 11 أكتوبر 2014
قراءة المشهد السياسي في اليمن (4) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
السبت 11 أكتوبر 2014

 قبل التساؤل عمن أدخل الحوثيين إلى صنعاء، ينبغي معرفة من أوصل اليمن إلى ما وصل إليه اليوم؟ إنها الأنانية وإيثار المصلحة الشخصية على المصلحة العامة. وتدخل العسكر بالانقلابات العسكرية المتلاحقة، وتولي الرتب العسكرية السلطة بالغلبة، فلا يتركها رئيس إلا قتيلا باغتيال أو بانقلاب عسكري كما أطيح بسلفه، وكلما جاءت امة لعنت أختها، هذه الحركات أوصلت اليمن والجمهوريات العربية عامة إلى ما وصلت إليه. وحكم اليمن خلال الخمسين سنة الماضية سبعة رؤساء خمسة منهم عسكريون، حكم منها علي صالح بمفرده 33 سنة وكل منصف متابع يشهد أن الرئيس صالح حقق لليمن مكاسب كثيرة خلال الخمس عشرة سنة الأولى من حكمه، ولو تنحى بعدها لغيره يكمل ما بناه لكان حال اليمن غير حاله اليوم، ولبقي علي صالح زعامة مرجعية يسمع ويطاع من غير سلطة، ولكنه استأثر بالكرسي، وبدأ يمهد لابنه من بعده، وكلما طال أمد الرئيس تراكمت أخطاؤه وانتفخت أحشاؤه ومله الناس، حتى اندلعت ثورة الربيع، وأصابت اليمن اللعنة التي أصابت غيره من أقطار الربيع العربي.
نُحي صالح تحت ضغط شعبي ومبادرة خليجية أممية عززت بالبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فترك الرئاسة مرغما بعد مقايضته بالحصانة ونصف الحكومة، وبقيت عينه على الرئاسة يسعى إليها بالحق والباطل، فتصور حكومة نصفها من أنصار الرئيس السابق والمؤتمر الشعبي ونصفها الآخر من خصومهم أحزاب اللقاء المشترك والربيع العربي، “وزير يجر بالطول والآخر بالعرض” وأخيرا تحالف الرئيس وأنصاره المتواجدون حول صنعاء وداخلها بالسر مع الحوثيين “الأعداء التقليديين” يوم كانوا يحكمون، فمهد التحالف لدخول الحوثيين إلى صنعاء بالشكل اليسير الذي دخلوه وسط تراخي الحكومة، وضعف مؤسسة الرئاسة.
كنا نتمنى على الرئيس صالح بعد تنحيه اعتزال السياسة، وفسح المجال لغيره يتولى رئاسة حزب المؤتمر فثلاثة وثلاثون سنة قضاها في رئاسة اليمن كانت كافية لإرضاء غروره وغرور أنصاره، لكنهم اليوم يستقوون بالحوثيين ويستغلون انهيار الأمن لينتقموا من خصومهم ومن وقف ضدهم في ثورة الربيع العربي، يلاحقونهم، ويقتحمون بيوتهم وينهبون ما فيها، وفق خطة مرسومة، اقتصرت على قيادات الإصلاح، ويظن حزب المؤتمر الشعبي بهذه العمليات أنه يكسر شوكة الإصلاحيين منافسيه وخصومه ويستقوي عليهم، ولا يدري أنه يسيء بذلك إلى نفسه ويخسر أكثر مما يربح وهو المتهم سلفا بالفساد، وتصفية منافسيه بالاغتيالات، وسيتقلص نفوذه وحصته في الحكومة الموعودة، وقد يخضع لعقوبات مجلس الأمن وفق البند السابع إذا ثبتت إعاقته لمسيرة الحكومة باعتباره طرفا بالحوار الذي تم برعاية خليجية وأممية، إضافة إلى غضب دول الخليج حيث لا يروق لها تعاون صالح مع الحوثيين المرتبطين بعلاقات قوية مع إيران وحزب الله. وربما سيُستهدف حزب المؤتمر الشعبي وأعضاؤه ممن استهدفوا بانسحاب الحوثيين من صنعاء.
أما الحزب الاشتراكي المهيمن على الحراك الجنوبي فيتطلع إلى الانفصال فهو يترقب بحذر ويتمنى لو أعيد النظر بتوزيع مناطق الأقاليم ليطالب هو الآخر بإعادة النظر بما يخدم نزعته الانفصالية، وربما يريد للحوثيين أن يضفروا بحكم ذاتي أو مستقل ليكون مفتاح الأماني، أما القاعدة فأعتقد أنها لن تغير استراتيجيتها ولكنها بحاجة إلى وقت للتفكير والتخطيط لنقل عملياتها التي ستستهدف بها الحوثيين في صنعاء، وطرق إمداداتهم، إذا استمرت سيطرتهم عليها وأتوقع أن الأيام حبلى بالتفجيرات والعمليات الانتحارية. ويبقى المشهد السياسي بيد لاعبين أساسيين (الإصلاح والحوثيون) يتحكمان بمجرى الأحداث ومستقبلها، وعلى الحكومة مجاملتهما وتستعجل الخروج من الوضع الشاذ، فهي لا تمتلك إلا سيف الشرعية الذي بات بلا مقبض، وخرجت الأمور من يدها.
لقد باتت كل الأطراف تنتظر قرار الحوثيين بالانسحاب من صنعاء والركون إلى الحوار، وهو ما يريده الخليجيون والأمم المتحدة باعتبارهم الأطراف المحايدة الراعية للحوار، وهكذا انسحاب لابد أن تقابله تنازلات ووعود وضمانات، فالحوثيون ليس بهذه السهولة والبساطة ينسحبون بعد كل الجهود والتضحيات بلا مقابل، وخلفهم إيران التي تبني على تقدمهم آمالا عريضة، وطالما استمرت هيمنتهم على صنعاء والمؤسسات الحكومية فيها، سيتعمدون تأخير تشكيل الحكومة إلى أن يضمنوا بعض المكاسب، ولذلك سيواجه اليمنيون حوارا معقدا وصعبا جدا، ويحاول التجمع اليمني للإصلاح إعداد نفسه لمواجهة الحوثيين في صنعاء وغيرها من المحافظات فمهمته عسيرة إن لم يتنازل عن بعض ثوابته، ولذلك نتوقع أن حربا أهلية لا سمح الله ربما تفرض نفسها، فالإصلاحيون لن يسلموا قسرا بالأمر الواقع، ولم تعد المهمة تتناسب وقدرات ما تبقى من وحدات الجيش القليلة العدد والعدة، ويبقى اليمن على كف عفريت ضائعا بين الأطراف المتصارعة، يختارون الحسم بالسلاح أو الحوار، وربما تفصح التفاهمات الجارية تحت الطاولة عن ملامح الحل القادم، وتبقى الأيام حبلى بانتظار الولادة المعسرة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية