يشكل الحوثيون بين الأحزاب والتجمعات اليمنية حيزا محدودا من المشهد السياسي لكنهم يتمترسون بالسلاح والمرتفعات الوعرة ويحظون بالدعم الإيراني إعلاميا وماديا، واستغلوا الشحن الطائفي والعزف على وتر الفقر والمرض والجهل، يحملون الدولة مسؤولية تردي أحوال الناس، لحشد تأييد كل من يشعر بالفاقة والقهر بمناطقهم وما حولها ضد الحكومات، مقتدين بحزب الله اللبناني الذي يمدهم بالمدربين والاستشاريين والخطط والسلاح، وتمسكنوا فتمكنوا وتغلغلوا بين الطبقات المسحوقة، وهم يزودون المتعاطف معهم برشاش آلي فيكسبون ولاءه الدائم، والسلاح عند اليمني من مستلزمات الشخصية، وهكذا توغلوا وتغولوا ورجحت كفتهم، في الوقت الذي يستقطب حزب التجمع اليمني للإصلاح قوى بشرية أعظم عددا وأوسع انتشارا في ربوع اليمن، بيد أنهم يمارسون نشاطهم السياسي تحت مظلة الدين بلا منازلة مسلحة ومن غير استعراض مكشوف للعضلات.
ويقود الحزب الاشتراكي اليساري الحراك الجنوبي والتطلعات الانفصالية، والعودة باليمن إلى ما قبل الوحدة، وجاءت مشاركته في الحوار الوطني خجولة وعلى استحياء “رفع عتب”، وهم يمارسون نشاطهم في عدن ولحج والمكلا وحضرموت ومحافظات الجنوب مناطق تواجدهم وليس لهم خارجها وجود، أما الحزب الرابع المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس السابق علي صالح، حكم البلاد ثلاثة عقود، وكان يحوز حصة الأسد من الأصوات في الانتخابات التشريعية طيلة سنوات حكمهم، وخاض ست حروب ضد الحوثيين وفي كل مرة تنتهي الحرب بصلح يؤجل فيه الحسم لحرب تالية وهكذا دواليك، ولكن حضور المؤتمر تراجع بعد ثورة الربيع العربي وتنحي صالح عن الرئاسة تحت ضغط المد الثوري الشعبي، رغم بقاء جزء كبير من عناصر حزبه وأنصاره ضمن المراكز الوظيفية القيادية في الدولة وفق مخرجات المبادرة الخليجية، ولا تحظى سائر الأحزاب الأخرى إلا بقدر محدود من الأنصار كالبعثيين والناصريين، وأحزاب أخرى صغيرة بلغ مجموعها نحو 26 حزبا سياسيا.
وللقاعدة هي الأخرى نشاط سري مسلح تستغل الغفلة لتحدث تفجيرا أو هجوما خاطفا يوقع خسائر ولاسيما في الوسط والجنوب.
ويعد الإصلاح من وجهة نظر المراقبين الخاسر الأكبر بسيطرة الحوثيين على صنعاء، حتى أن أحد زملائي الأكاديميين أرسل إلي رسالة هاتفية من صنعاء، يهنئني بغروب شمس الإصلاح الذي هزم عسكريا بالمواجهة، ويدعي الإصلاح أنه تخلى عن المواجهة المسلحة باختياره وأوكل حماية صنعاء للجيش وقوى الأمن وسلم إليهم مقراته لحمايتها، وغادرت قياداته صنعاء، وبعد انهيار قوات الأمن لوحق الإصلاحيون واقتُحمت دورهم وأحرقت مقراتهم ونُهبت مؤسساتهم الإعلامية الصحافية، وحطمت مراكزهم العلمية والتجارية ودمرت كجامعة الإيمان اكبر الجامعات الخاصة في اليمن، وأعتقد على المدى الطويل سينقلب المشهد، فكل المعادين والرافضين لاحتلال الحوثيين لصنعاء سيلتحقون بركب الإصلاح الذي نزه نفسه عن المواجهة المسلحة وتحمل الخسارة مؤثرا سلامة اليمن على سلامة أنصاره ومصالحهم كما يرد في بياناتهم وأدبياتهم، ولم يرتكب أخطاء المنتصرين وحماقات وقع فيها مسلحو المليشيات الحوثية وحزب المؤتمر، وظل الإصلاح يحتفظ بقواعده وهو ما سيقوي مركزه الانتخابي مستقبلا.
وستقف إلى جانب الإصلاح كل الأحزاب والتنظيمات والجماعات الأخرى غير المتعاونة مع الحوثيين باعتبار الإصلاح الحزب الأقوى والأطول قامة في الوقوف بوجه الطوفان الحوثي، وقد بقي في كل أطروحاته محافظا على وحدة اليمن، ويمثل الوجه المعتدل الأقل تشددا من السلفيين والرافض لتطرف القاعدة، ويحد من طروحات الحوثيين في الشمال والاشتراكيين في الجنوب حيث يود كل منهما السيطرة على مناطقه أو الانفصال بإقليم أو دولة لو خيّر. ويحظى الإصلاحيون بتأييد الحركة السلفية التي لها امتداد واسع، وكانوا فيما مضى بيضة القبان في الحوار الذي تراهن عليه المبادرة الخليجية والأمم المتحدة، وإقصاؤهم من المشهد السياسي أو تهميشهم يعني السعي في تقسيم اليمن إلى ثلاث أو أربع دويلات متناحرة.
ولذلك في ضوء ما مضى يبقى الإصلاحيون هم قطب الرحى السياسي في كل المفاوضات والحوارات، وقوة توازن وسطية، بين الحوثيين المتمترسين بالسلاح في الشمال، والانفصاليين الجنوبيين، والمؤتمر الشعبي الذي اعتاد المناورة والمقامرة، وشرعية مؤسسة الرئاسة التي لا يلتفت إليها أحد، هذا إن ارتضى اليمنيون الاحتكام إلى نتائج الانتخابات التشريعية القادمة، أو ارتضوا طاولة الحوار بعيدا عن قعقعة السلاح.