يضع الحوثيون اليمن اليوم على مفرق طرق أصبحت فيه الخيارات محدودة وأحلاها مر، بعد أن تضاءل دور الوسطاء، ولم يعد في البلد ولي أمر يطاع، واليد على الزناد وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. وليس لها إلا الله ونعم به ولا ييأس من روح الله الا القوم القانطون.
حين أكتب عن اليمن أكتب عن علم ومعرفة، عشت في اليمن سنوات عاشرت فيها العامة والخاصة وعرفتهم عن قرب، واطلعت على حقب من تاريخ اليمن الدامي بالحروب البينية، ووضعت يدي على مكامن ربما غابت عن أهلها، في واحدة من حروب اليمن الدامية، قديما أسرت أم زعيم من شيوخها، ورغم أنها كانت معززة مكرمة خشيت أن يطول أسرها فكتبت إلى ابنها سرا تستحثه ليفك أسرها، “لا أخشى على نفسي بقدر ما أخشى ان يكون لك أخ اسود من عبيدك فأدرك نفسك”، فعرف أن أمه حامل اغتصبت وحملت من احد عبيده وعليه أن يحررها قبل ولادتها لكيلا يكون له أخ عبد، فجهز جيشه وغزا خصمه واستبسل حتى حرر امه وتبين ان شرفها كان مصانا ولكنها أرادت حث ولدها كي لا يستكين “والحكمة يمانية” كما في الحديث الشريف ولكنها العصبية القبلية القوية. ما يجري اليوم يذكرنا بصراع الرفاق اليساريين على السلطة في اليمن الجنوبي الذي توج بأحداث الفرز القبلي والمناطقي في 13 يناير 1986م الدموية، ويحتفظ أبناء عدن في الجنوب اليمني بصور مفجعة في ذاكرتهم لتلك المجزرة الوحشية التي سقط فيها 13 ألف قتيل من قيادة الحزب الشيوعي وكوادره خلال ثلاثة أيام من المواجهات الدامية. كان وقتها عدد الجنوبيين بالمليون فما بالك وعددهم اليوم أربعين مليونا بعد الوحدة ولديهم مئة مليون قطعة سلاح.
على العرب ولاسيما الخليجيين أن يدركوا أن اليمن يعيش حالة فتنة كبرى، تديرها أيد خارجية تمدها بالمال والسلاح والخبرة مما يضاعف خطر المحنة ولاسيما إذا عرفنا أن ايران تلعب لعبة الفار الذي انهار بسببه سد مأرب وأغرق المنطقة كلها بالمياه، وبسببه انتشر اليمنيون في كل حدب وصوب، فإذا انهار الأمن اليوم في اليمن ستغرق المنطقة كلها بالنار والدم وليس بالمياه عاجلا أم آجلا، فليسرع الحكماء إلى إطفاء الحريق قبل أن يشد أواره، وليطفئوا نار الفتنة، فالوقاية خير من العلاج.
ليس الخوف من عدد الحوثيين فأعدادهم لا تتجاوز 25 % من الشعب اليمني، وإنما لديهم حشد من البشر غالبيتهم شباب عبئوا جهويا وطائفيا وسياسيا وقبليا، سيول من العاطلين لا يجدون ما يعملون أغلبهم أبناء ضحايا سقطوا في حروب سابقة مع الدولة ولهم ثأر يغذي طموحاتهم، واليمنيون لديهم قدرة للعيش على ما تنبت الأرض ولا يفكرون بالرفاهية كثيرا، فاليمني ساعة المواجهة لا يفكر بمصير زوجته وأطفاله هو يعقل ساقه على فخذه خشية أن يشعر بالجبن فيفر، والموت لا يخيف اليمني ولا يحزنه، أذكر جيدا ذلك الطالب اليمني الذي قبر أباه الساعة الثامنة صباحا وحضر الدرس الساعة الواحدة ظهرا، وأذكر استاذا جامعيا توفيت شقيقته الشابة وذهبنا مساء لتعزيته وكان جالسا يتحدث بيننا بأريحية وقدم لنا صواني العنب، فالميت على حد قولهم: “الله أعطاه والله أخذه”، وقد عرفت الله جيدا في اليمن.
ليس الخوف في اليمن من انتشار السلاح الآلي اليدوي، فاليمنيون معتادون على حمل الخنجر والآلي وقادرون على التحكم بأنفسهم في حالات الغضب الفردية والشخصية المعتادة بينهم، والسلاح في اليمن جزء من اكسسوارات المنظر والمشهد، وهم ميالون للهدوء ويقبلون النقد ويمنحهم القات في المجالس اريحية تخفف الاحتقانات، ولكن الحوثيين يملكون جميع انواع السلاح المتوسط والثقيل، دببات ومدافع ومضادات طائرات ولديهم مجندون في الجيش مستعدون للاتحاق بهم عند المعركة ولديهم خبرة في إدارة الاشتباكات وقد خاضوا ستة حروب طويلة الأمد وطاحنة مع الدولة ولم تكسر شوكتهم ولا يخشون سقوط ضحايا وميالون هذه المرة للصدام والحسم، ومناطق القتال جبلية وعرة تتخللها وديان عميقة وجارية، الحروب فيها صعبة ومرهقة للجيش، وطرق إمدادات الجيش يمكن قطعها بيسر، والمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون موالية لهم قلبا وقالبا وهم أدرى بشعابها.
وما لم تظهر في اللحظات الأخيرة مبادرة من القوى السياسية اليمنية كما اعتادوا، فالحرب الأهلية إذا اندلعت على ما يريد الحوثيون ستكون دامية بمرارة ومكلفة، واحتمالات نجاح الحكومة بالتغلب عليهم ضئيلة وخصوصا بعد أن انضم إليهم أنصار علي عبدالله صالح. فالحكومة منهكة وإمكاناتها ضعيفة والجيش تعب من طول المواجهات وما لم يكن وراءها ثقل عربي ودولي ستكون خسارة الأمة اكبر وأفدح من خسارة اليمنيين أنفسهم.