أصبح كل من الإرهاب والعنف والتطرف أو التشدد اليوم من الظواهر العامة التي تتقاسمها الأمم والشعوب والدول، مع كل ما تحمل هذه الظواهر من المساوئ المفجعة والمستنكرة، ولم يعد التطرف باستخدام العنف إلى درجة الإرهاب وقفا على أمة من دون أخرى، بل تفشى على كل المستويات حتى غشي نطاق الأسرة الواحدة، فلم يعد من المستبعد أن يرهب الرجل زوجته والابن أباه والأخ أخاه والمرؤوس رئيسه، ولم يعد يقتصر الإرهاب على استخدام العنف بالضرب للتهديد والتخويف والابتزاز أو السرقة، بل تجاوزه إلى الضرب المبرح والنحر بالسكين وجز الرؤوس بالسيف والرجم بالحجارة، والإعدام والقصف المدفعي بالصواريخ والبراميل المتفجرة واستخدام الكيماوي بقصد الإبادة الجماعية، حتى بين الأشقاء في الوطن الواحد فضلا عن الأعداء.
ولم يعد الإرهاب فرديا يقتصر على رب الأسرة والأخ الأكبر وشيخ القبيلة، وإنما استفحل وارتقى إلى مستوى الرؤساء والزعماء، حتى الحفاظ على التقاليد والأعراف صار مصحوبا باستخدام العنف، وصار المجتمع نفسه يمارس الإرهاب على الأفراد، كانت المرأة إذا زنت ينفرد أبوها أو أخوها بقتلها خلسة، وتحول القتل بذريعة التخلص من العار اليوم إلى مشاركة جماعية من الأسرة والأقارب والجيران وعامة الناس جهارا نهارا في الشوارع والساحات العامة والمعابد، كما حصل في سنجار حينما رجمت فتاة بالحجارة لأنها أيزيدية وأحبت مسلما وصاحبته ولو لم يمسسها بسوء، وقتلت مسيحية واحتجزت داخل الكنيسة لأنها اقترنت بمسلم والعكس، وأحرق أب متشدد في تونس ابنته ذات العشر سنوات لأنها رافقت زميلها بالمدرسة في طريقها إلى البيت.
كان الإنسان يمارس الإرهاب بمفرده يتربص بعدوه يقتله أو يسرقه، فتطور إلى خلايا ومجموعات كما في مافيا المخدرات الإيطالية، التي تطورت وصارت تهربها بطائرات خاصة ومناطيد أو غواصات، كان الإرهاب ماديا بقصد الحصول على الأموال ومتع الدنيا فتحول من القرصنة إلى إرهاب معنوي سياسي للوصول إلى السلطة والهيمنة على مقدرات الشعوب، بل الأقسى حين انقلب إلى إرهاب دموي يمارس كطقوس دينية أو طائفية بين أبناء الديانة الواحدة، حتى مكافحة العنف والإرهاب تحول من طرق مشروعة إلى عنف وإرهاب بطرق غير مشروعة، كقصف راكب دراجة في الشارع من طائرة بدون طيار، وحين تخصص دولة كبرى ملايين الدولارات لمن يقتل زعيما يشتبه أنه إرهابي حتى قبل محاكمته. وأصبح قتل الناس الأبرياء بالخطأ مبررا إذا كان بنية مكافحة الإرهاب، بل انتقلت ممارسة الإرهاب إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، فلا تصوت دولة عظمى بمجلس الأمن على قرار إحالة مجرم إلى محكمة جرائم الحرب الدولية لينفذ من المحاسبة والعقاب، ولو أجمع العالم على إدانته كما هو حاصل مع الفيتو الروسي لصالح نظام الأسد.
وفي اعتقادي ليس الغريب اليوم ونحن في قمة التمدن والتحضر وتطور المواصلات والاتصالات الذي يتيح للعالم أن يكون قرية واحدة أن يتفشى الإرهاب في المجتمعات بظل ازدواجية المعايير وتحليل الحرام وتحريم الحلال، وإنما الغريب ألا يتفشى هذا الإرهاب ولا يستفحل، مادام الجهد العالمي في مجال مكافحة الإرهاب ما عاد في الواقع والحقيقة مكافحة علمية وسلمية للإرهاب ووقاية منه، بل بات دعما ووقودا يغذي الإرهاب، وإلا كيف نفسر تطور ظاهرة الإرهاب من خطف الطائرات في الستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى التفجير بالانتحار في الثمانينيات، ثم إلى جماعات تقود أكثر من طائرة لتطيح بأعلى الأبراج وأكبرها وتضرب البنتاغون وزارة دفاع أكبر دولة في العالم في التسعينيات، ثم تطور الإرهاب إلى جيوش تمتلك مدفعية ودبابات وطائرات تضاهي بها جيوشا معتبرة تعد بمئات الآلاف ومدججة بأفضل السلاح كما هو شأن داعش وحزب الله.
نعم التمدن وتقدم الاتصالات زاد من حساسية جمهور العالم، فيكفي تصريح زعيم دولة متغطرس في قضية لا تقبل المساومة أو تجافي الحق والعدل أن تتسبب بظهور أكثر من جماعة إرهابية متطرفة، ولكل فعل ردة فعل معاكسة له في الاتجاه ومساوية له في القوة، فكيف إذا شاهد العالم ما يرتكب من جرائم قتل وإبادة جماعية تنقل إليه حية بالصورة والصوت، مثل جرائم إسرائيل بصبرا وشاتيلا ومجزرة قانا وحملات الإبادة على غزة، وغزو العراق تحت ادعاءات واهية، وتدمير ليبيا بذريعة تدمير القذافي، والقتل الخطأ بطائرات من دون طيار في أفغانستان واليمن، والتلكؤ في إسناد المقاومة السورية حتى آلت الأمور إلى ما آلت إليه من السوء.
العالم يرفع شعار مكافحة الإرهاب لكنه لا يعرف كيف، ولاسيما بعد أن ربطت الدول العظمى مصالحها بمحاربة الإرهاب فكل من يعاديها إرهابي، العنف يولد العنف، مكافحة الإرهاب باحتوائه واستدراجه حتى المساومة إذا كانت تجدي أفضل، فقد يولد قتل إرهابي عشرة إرهابيين بدلا عنه، فاحتواء الإرهاب انتصار للنفس الخيرة على الشريرة، وانتصار الحياة على الموت.