لم تعد السياحة غاية لذاتها خلوا من المعرفة والثقافة والمنفعة، ولا مجرد مظهر اجتماعي زائف غرضه المباهاة، وسلعة مستهلكة في التسوق تُلاك مفرداتها وتُعلك ضمن أحاديث سمر الموضة النسوية. السياحة اليوم نشاط روحي معرفي اقتصادي، وجزء من ثقافة المدنية الحديثة وصناعتها، السياحة برنامج لصيانة وإدامة الحياة المثقلة بهموم التدافع المعيشي، تسهم بتغير نمط الحياة وحماية المشاعر من التبلد، وترميم ما ترهل من حواشي الروح، وتصحر الفكر بحكم رتابة الحياة اليومية، فالسفر وسيلة لكسر الروتين ترويحا للنفس والأعصاب بما يسهم في تجديد الطاقات، وتفريغ الضغوط النفسية، ينصح به الأطباء المعالجون وعلماء النفس والاجتماع وأثبتته الدراسات العلمية. وكلما أحسن المرء اختيار المكان المناسب لإمكاناته الملائمة لطبائعه وسد حاجاته الروحية والمعرفية. كان استثماره للوقت والمال مجديا ومخلوفا.
وليست السياحة وقفا على السفر إلى بلاد الغربة وجها ولسانا، فالتوصيف الحضاري لمنظمة السياحة العالمية كل سفر يتجاوز ثمانين كيلومتر داخل البلد وخارجه، ويستغرق أربع ليال بلا مشاغل عمل. وكثيرا ما تكون السياحة الوطنية الداخلية أو البينية بين الدول المتآخية أو ما يدعى بالسياحة القومية أكثر متعة ونفعا، ولاسيما إذا أتاحت للسائح الاطلاع على مرافق الوطن وحظي بالتعرف على أسر في مجتمعه تشاطره المشاعر والأحاسيس تبقى على صلة بأسرته، والالتقاء بأصدقاء جدد يدوم تواصلهم معه، وفيها يكون الربح الحقيقي للسياحة، فضلا عن إسهامها في حفظ الثروات القومية. والمعروف عن السائح العربي عالميا أنه يتميز بقضاء أطول مدة زمنية في رحلته السياحية تفوق غيره، وكثيرا ما تتجاوز خمسة عشر يوما، كما تشير الدراسات أي أضعاف ما يتمتع به السائح الغربي، مما يجعله أكثر إنفاقا خاصة انه غالبا ما يصطحب معه أفراد أسرته، وأن السائح العربي لا يذهب بأفواج ورحلات جماعية عن طريق وكالات عالمية تحظى بتخفيضات في أجور السفر وحجز الفنادق والتنقلات، ولذلك يشكل صيدا ثمينا في صناعة الاصطياف الذي بدأت تنمو يوما بعد يوم، فمصاريف السياحة ووارداتها أصبحت تعد ببليونات الدولارات وتشكل موردا كبيرا للعملات الصعبة، ونسبة مرتفعة ضمن الناتج والدخل القومي للدول السياحية، ويأتي مردودها بعد صناعة النفط بالأهمية، وتتفوق على سائر الصناعات، فينبغي الحرص على استثمار هذه العوائد فيما يصب بمصالحنا القومية، وعدم التفريط بها وتركها تذهب لغيرنا يستنفذون بها ثرواتنا الوطنية ويقدمونها مساعدات لأعدائنا من الصهاينة وغيرهم، ويستخدمونها سلاحا نقتل به، ونذل ونستعبد.
وعطفا على مقالنا السابق من أن السياحة القومية والسفر ضرورة شرعية ورد الأمر بها والحث عليها في الكتاب والسنة ما وجدت مبرراتها في تحري المنفعة والفائدة معرفيا ودينيا وصحيا، وتحافظ على مصالح الأمة، لكن الغريب في الأمر أن الغربيين يجدون في بلادنا متنفسا لهم طلبا للهواء النقي، والشمس الذهبية والرمال الناعمة، والطبيعة الجميلة، والمياه والحمامات الصحية، ويجدون المواقع الأثرية للأمم المتتابعة، والمعابد القديمة لكل الأديان، والأسواق التقليدية، والحياة التي تختلف عما لديهم وفلكلورا ممتعا، بينما نزهد نحن ويا للأسف بتراثنا ومعالم حضارتنا التي نحن أكثر من يجهل نفائسها، وما قدمت للإنسانية من عطاء ثر، وننحاز للغريب لعقدة الشعور بالنقص، والسؤال القائم، ما الذي يجده السائح العربي في بلاد الغرب ولا يجده في بلاد العرب والمسلمين؟ خاصة تلك التي أصبحت بحق مواطن للسياحة والاصطياف وبمواصفات عالمية تضاهي المنتجعات الأوروبية.
لدينا في مصر وتونس والمغرب واليمن والأردن وشمال العراق وسوريا فضلا عن الدول الإسلامية كتركيا وماليزيا وغيرها ما يعوضنا عن بلاد الغرب إذا لم يكن ما في الخليج دبي والبحرين وعمان والسعودية ما يكفينا، ونجد في بلادنا ما نجده في بلاد الغرب وزيادة، طقسا معتدلا، ونسمات عليلة، وليالي غناء، وآثارا باقية عن الأمم الخالية تخطف الألباب فنا وجمالا وإبداعا، وعتبات مقدسة ومساجد قديمة تستحضر فيها ذكريات الأمجاد وتجد الروح في زواياها سكنا وخشوعا في الصلاة، ومعابد لكل المؤمنين، ومياها معدنية بحمامات ساخنة، ومنتجعات وسواحل مغرية وبيئة غجرية متوحشة من الوديان والجبال، وأعشابا طبية وفواكه وخضارا شهية، ونباتات وأزياء ورقصا شعبيا وفلكلورا غنيا بقيمه الإنسانية، والكثير مما لم تره العين ولم تسمع به الأذن، وأسعار الخدمات والطعم والمنام لا تقارن بأسعار الغربيين، وأنت محترم آمن على نفسك وأسرتك من كل ما يخدش الحياء ويسيء الأدب، وإذا لم تكن الأحوال مستقرة في بلد منها فلك في غيره بديل لا يقل عنه في سد الحاجة وأداء الغرض، هذا كله وأنت راض عن نفسك بأنك استطعت أن تخدم قومك وتعرف المزيد عن بلدك، وتحفظ ثروة أمتك من التبذير وألا تصل إلى أعدائك، وقد ذكرنا ويسرنا، فهل من مُدّكر؟.