العدد 1648
الجمعة 19 أبريل 2013
من احتضن القاعدة وجرها إلى العراق وسوريا؟ د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الجمعة 19 أبريل 2013

بدءا لا تعجبنا فلسفة القاعدة ولا يرضينا مسارها، وإذا كنا نأسى فعلى أبنائنا وإخواننا الضحايا، دفعهم الإحساس بظلم وقهر قوى الظلام الكبرى المتحكمة بالعالم إلى التطرف، وحفزتهم محاولات الدول الكبرى للهيمنة على بلادهم على الرد بالعنف، لقد شعروا بأن عليهم واجب الدفاع عن عقيدتهم وأمتهم، وأصبحوا بفعل الضغوط النفسية ضحايا عالم يعيش بلا مثل ولا قيم، فاستغلت القاعدة نقاء الفطرة وعنصر التضحية في شباب شبوا على غير ما علم ولا تجربة ولا عمل، فاستطاعت القاعدة شحنهم بالبغضاء والعدوان لترضي نزعة الانتقام ممن اعتدى على الأمة وأذلها، وأفسد حياة شعوبها، ولكل فعل رد فعل.
أميركا المستكبرة هي أوجدت القاعدة وسلحتها ودفعت أصدقاءها الرؤساء والأمراء إلى تشجيع الشباب على الانتماء إليها تحت شعار الجهاد والدفاع عن الدين والأمة ضد أعدائها السوفيات الذين احتلوا أفغانستان، فعرفت كيف تجند القاعدة التي أبلت بلاء حسنا لصالحها، وحسمت المعركة، فسجلت أميركا الانتصار سياسيا لنفسها، وتناست القاعدة وظنت رجالها قطع دومينو تشكلها تارة وتفركشها أخرى بمزاجها، حين تقاتل القاعدة السوفيات جهادا، وحين تقاتل أميركا إرهابا، وغاب عنها من يقاتل دفاعا عن أفغانستان سيقاتل دفاعا عن غيرها، حيث ينقلب السحر على الساحر.
ومن يجعل الضرغام بازا لصيده    تصيده الضرغام فيما تصيدا
لا نختلف مع القاعدة في كراهية الاستكبار العالمي الذي كاد ومكر واعتدى علينا، ولكن ثقافتنا وتجربتنا لا تسمح لنا باستخدام العنف ضد عامة الناس الآمنين كما تفعل القاعدة، نحن نعرف أن جهاد النفس يسبق جهاد السيف، وشعورنا بظلم الآخرين لنا ينهانا عن ظلم غيرنا والتسبب لهم بالألم والتعاسة، ولذلك نرفض سلوك القاعدة وأسلوبها، ولكن هل تظن أميركا بدعمها المتواصل لاعتداءات إسرائيل واحتلالها العراق وتدميره سيمر دونما رد؟ وحين تقتل يوميا عشرات الأبرياء أطفالا ونساء وشيوخا بطائرات بلا طيار في اليمن وأفغانستان وباكستان لا يدفع عدوانها الشباب إلى حمل السلاح والثأر، ألا تعتقد أميركا بغطرستها وتجاوزها على المعاني الإنسانية وتسليمها للرئيس العراقي أسير الحرب لعملائها وتمهيدها لإعدامه خلافا للقانون صباح يوم العيد تستفز الشباب وتشجع  على الإرهاب، وحين قتلت ابن لادن وكان باستطاعتها اعتقاله ومحاكمته وكشف الحقائق والدوافع، ثم رمت- استهتارا منها- جثته من الطائرة في البحر، وبصفته مسلما حتى لو كان مجرما، ألا يدفع تماديها بالحقد لمزيد من العنف والانتقام؟
النخبويون الغربيون لا وفاء لهم ولا أصدقاء ولا مثل ومعيارهم مصالحهم، بريطانيا غدرت بأصدقائها العرب وقد وقفوا إلى جانبها في الحرب العالمية بينما كانت تتآمر لتتقاسم بلادهم سرا بسايكس بيكو. أميركا بانسحابها من فيتنام أول من تخلت عن أصدقائها وغدرت بعملائها. ورأينا الطليان والفرنسيين ينحنون للقذافي ويقبلون أيديه وبعد أشهر امتدت أيديهم له من الخلف. فعلوها مع زين العابدين بتونس، ومبارك بمصر، وعلي صالح باليمن.
وكان العراق وسوريا من بين بلدان العالم القليلة التي استعصت على تنظيم القاعدة ولم تستطع اختراق أجهزتهما الأمنية، فهل سلم العراق من اعتداءات أميركا حين سلم من القاعدة؟ وهل يختلف عدوان أميركا على العراق عن عدوان القاعدة؟ ألم تقتل أبناء العراق وتدمر بلدهم خلافا للشرعية والقانون الدولي؟ والعدوان عدوان أينما كان وحيثما وجد، حينما تثأر أميركا لتهاوي أبراجها باحتلال العراق بلا ذنب منه ولا سبب ولا علاقة له بتفجيرها، ليس إرهابا! وحين ترد المقاومة العراقية لها الصاع تعده إرهابا! وبماذا يختلف احتلال السوفيات لأفغانستان عن احتلال أميركا اليوم؟ لو لم تحتل أميركا العراق وتحل الجيش والشرطة وتسرح أفرادها بلا وظائف ولا رواتب ما استطاعت القاعدة احتضانهم واستقطابهم، ولما تسللت إلى العراق. فمن جلب القاعدة إلى العراق غير أميركا؟
إن إخفاق مجلس الأمن في اتخاذ إجراءات مشددة ضد الأسد بوقت مبكر، دفع السوريين المسالمين إلى حماية أنفسهم وحمل السلاح بتشجيع من دول عظمى، ثم تراخت ولم تزودهم بالسلاح، ولم تحمهم من قصف طائرات نظام الأسد الجائر، ووجدت الدول العظمى  بتدمير سوريا مصلحة لربيبتهم إسرائيل فتمادوا بإهمالهم للسلام، فمهد تقاعسهم دخول المسلحين الأجانب والقتال ضد الأسد الظالم، ولو زودت أوروبا وأميركا الجيش الحر والثوار بالسلاح الكافي مبكرا لأسقطوا نظام الأسد، ولكن خذلان أميركا للثوار دفع جبهة النصرة إلى التقرب من القاعدة، ومدت القاعدة يدها للنصرة بالسلاح وحصل اللقاء والتفاعل، ولو حسمت القوى العظمى الأمر ووفت بوعودها ما دخلت القاعدة إلى سوريا. ولما استشهد مئات الآلاف وشرد الملايين، لتحتضن القاعدة المقهورين. فمن الملوم؟ وعلى من تقع مسؤولية العنف والتطرف؟ وتأسيس القاعدة وتسليحها وانتشارها إن لم تكن على أميركا التي تضج اليوم من ضربات القاعدة. “فمن حفر للآخرين بئرا وقع فيها”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .