اعتقد جازما لست وحدي من بين العرب الذين لم تعد تعنيهم اجتماعات القمة العربية، فالكثير من أبناء هذه الأمة ما عادت تستهويهم حتى متابعة أخبار انعقاد مؤتمراتها، بعد أن فقدت ألقها بسبب روتينيتها، وأصبحت جسدا بلا روح، وتقليدا لطقوس بروتوكولية تتكرر من الألف إلى الياء، طائرات تهبط وتقلع، بسط حمراء تمتد وأعلام ومنصات، قُبل وأحضان باردة، ومبارزة بسيوف وأحصنة خشبية، ومقررات ليست بأكثر من نص مسرحي لا يتغير فيه إلا الممثلون والموقعون، وكلام الليل يمحوه النهار!
لست من المتشائمين بمستقبل هذه الأمة، ولا اعتدت التجني على الرؤساء، رحم الله من توفاه منهم وأطال بعمر من تبقى، لكنها حقيقة ترجمتها مؤتمرات القمة السابقة على مدى خمسة وعشرين مؤتمرا، خلال خمس وسبعين سنة، حيث عقدت أول قمة في أنشاص بدعوة من الملك فاروق عام 1946، ومنذ ذلك الحين تكاد أن تكون مقررات المؤتمرات عامة نسخة طبق الأصل، ثبت بالوجه الشرعي أنها تعد وتطبع وتكون جاهزة للتوقيع قبل اجتماع الرؤساء، وبديباجة واحدة متماثلة يصلح أن تعاد صياغتها لتكون قمة واحدة دائمة الانعقاد، تأتي على رأسها القضية الفلسطينية التي تراجعت إلى الخلف ولم تتقدم شبرا واحدا إلى الأمام.
من المؤتمرات المهمة التي لا تنساها الذاكرة مؤتمر اللاءات الثلاث للإسرائيليين عام 1967، لا للاعتراف، لا للصلح، لا للتفاوض، وحظر عقد صلح منفرد، لاءات ثلاث لم يبق بفخر واعتزاز منها شيء. وقبلها قمة القاهرة 1964 حيث أكد الرؤساء أهمية الإجماع العربي وإنهاء الخلافات وتصفية الأجواء، وتحقيق المصالح العادلة للأمة، وهي الأهداف التي أقيمت الجامعة من أجلها، بيد أننا سرنا في الظاهر بالاتجاه المعاكس كما تفعل “قناة الجزيرة” وعوضا عن إصلاح ما بين الدول عجزنا عن إصلاح الأسرة الواحدة، وأين الصلح؟ لا مصر استقرت على حال ولا السودان داما، ولا دام الأمن القومي ولا التعاون الاقتصادي ولا تكامل المشاريع العربية المشتركة، ولو جمع ما صرف على المؤتمرات من الوقت والمال، وأقمنا بدلا عن كل قمة مصنعا كانت الجدوى أكثر نفعا لشعوبنا المنهكة.
في مؤتمر الرباط عام 1969 اختلف الرؤساء والملوك وافترقوا قبل إصدار البيان الختامي، وتكرر المشهد في قمة فاس 1982 وأجلت قرارات المؤتمر إلى مؤتمر لاحق لاختلاف السعودية وسوريا، ومن المؤتمرات المهمة الفاصلة قمة بغداد 1978 فقد علقت عضوية مصر، ورفضت اتفاقية كامب ديفيد، ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، واتفق على معالجة الخلل في الإستراتيجية العربية، وأكدت القرارات ثانية في قمة تونس1979، ولكن الرؤساء عادوا ونقضوا قراراتهم في قمة عمان 1987، حيث انفرط عقد مقاطعة مصر عربيا، وسمح لمن يشاء من الدول إعادة علاقاته الدبلوماسية مع مصر، ثم نسفت القرارات بالكامل واستعادت مصر عضويتها في قمة الدار البيضاء 1989 ثم أعيد مقر الجامعة إلى القاهرة ثانية مع أن قرارات كامب ديفيد بقيت سارية المفعول، ولم يتغير طارئ جديد لتتراجع القمة عن قراراتها السابقة في قمة اللاءات، وضاع الصواب بين هذا وذاك “وحرنا ياحلوة من أين نبوسك؟”.
وأخيرا فقدت الجامعة العربية كل مصداقية لها في مؤتمر القاهرة المنعقد في 15 أغسطس 1990حينما أرسل وفد وزاري للتفاهم مع الرئيس العراقي صدام حسين بشأن دخول القوات العراقية إلى الكويت مستهينة بالحدث الجلل، وكان ينبغي أن يتولى مهمة التفاهم وفد ثقيل المستوى من الرؤساء أنفسهم، أو يتقاطر الرؤساء على بغداد في ساعتها، ويبدو أن الأمر فبرك ليدان العراق ببيان اتخذ بالأغلبية خلافا لميثاق جامعة الدول العربية الذي ينص على اتخاذ القرارات بالإجماع، مما يعكس حجم الإخفاق الذي أصاب القمة العربية في حل موضوع عربي له أهميته تسبب في كوارث قاسية، لأمتنا العربية بسبب عدم الجدية في معالجة القضايا المصيرية.
من الملفات المطروحة على قمة الدوحة الحالية إنشاء محكمة عدل عربية، وهو موضوع طرح على القمة منذ عشرين سنة، في مؤتمر القاهرة عام 1996، ونشك أن يتخذ قرار حاسم بشأنه، فلم يرتق الوفاق العربي إلى مستوى الالتزام باستراتيجية عربية واضحة للعمل المشترك، أما مشروع إصلاح الجامعة العربية وتعديل ميثاقها فعمره يزيد على عشر سنوات، وهو موضوع صعب وشائك، دراسته وترتيباته تحتاج إلى وقت طويل ربما يستغرق قرنا كاملا!
ما كل ما يعرف يقال ويصلح للنشر، فلا نحن قادرون على ابتلاع الحقيقة ولا على مقاومتها، ويمكن إجمال ما لا يمكن قوله بضرورة البحث عن صيغة أفضل تساعد في تضميد الجروح بدلا من فتحها ورش الملح فيها، كما عودتنا نتائج مؤتمرات القمم السابقة. بعد خيبة أمل وضياع المساعي لا نملك إلا القول:
إذا لم تستطع شيئا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع