العدد 1624
الثلاثاء 26 مارس 2013
سوريا... هل كان بالإمكان أحسن مما كان (4) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الثلاثاء 26 مارس 2013

تلقيت رسائل قراء توجه بالنظر إلى ما أصاب الشعب السوري بسبب الثورة، وأن سوريا دمرت، وبعضها تلقي اللوم على المقاتلين وتنتقد تصرفاتهم، وتشير إلى ندم بعضهم وأنه ألقى السلاح، ويرى آخرون وجود عرب وإسلاميين مأجورين يقاتلون بالوكالة عن دول المنطقة، ورسالة تشيد بالنظام وأخرى تحمله المسؤولية. ولا نريد أن نشكك بنوايا أحد، ولا ننكر أن مأساة الشعب السوري فريدة من نوعها.  مأساة سوريا لم يذكر لها التاريخ مثيلا من قبل، فلم يسبق لحاكم أن سعى في إبادة شعبه وتدمير وطنه كما فعل آل الأسد، ولا ننفي أن التاريخ سيذكر كيف أن الحكام العرب تركوا إخوة لهم تحت رحمة سكين الجلاد يجز رقابهم جز النعاج سنوات، ولن يرحم التاريخ دول المنطقة ومن تاجر من حكامها برقاب الأبرياء ولن يغفر للدول العظمى صمتها وتمرير جريمة إبادة شعب بأكمله.
إن النظام الأسدي والأسد الأب والابن اللذين استأثرا بالسلطة وتمسكا بها أربعين سنة مكرسين مبدأ الوراثة وسطوة الطائفة، متورطين بتحالف مريب مع إيران الصفوية وحزب الله، وجعلا الحزب جهاز مخابرات بوليسي، يسير الشعب بالسوط والكرباج، هما المسئولان مباشرة عن المظالم التي دفعت الشعب إلى الثورة، وازدادت مسؤولية النظام بالفشل في احتواء الموقف، وعدم الاستجابة للمبادرات التي سعت لتداول سلطة سلمي، ولجأ إلى الحل العسكري فقصف ورجم وقتل ودمر ودفع بالأمور إلى الحال التي عليها. ومن الواضح أن للنظام من يناصره وبخاصة أقليته العلوية والمنتفعين والموالين لإيران وحزب نصر الله المخادع الذين استقتلوا بالدفاع عن نظام فاشي، وإزاء تقاعس الموقف الدولي عن أداء الواجب الإنساني وموقف روسيا اللامسؤول، دفع الشباب العربي الغيور على أمته وإخوانه إلى التطوع والقتال ضد فلول النظام وشبيحة إيران وحزب الله، ومن يتابع أعمار من استشهد يدرك أنهم يقاتلون عن إيمان ضد المرتزقة والإرهابيين؟
ومن الطبيعي بعد تحول المواجهات إلى حرب طاحنة أن يصاب بعض المقاتلين بالإحباط  واليأس لقسوة النظام، وليس كل الناس قادرين على الصمود، تراجع وتباكى على النسل والحرث، وبخاصة أن البلد ليس غنيا، ويعتمد على الزراعة، ورأى ما بني بعقود ينهار بلحظات، موقف هؤلاء النفر قد ينبع عن حرص على مستقبل الوطن ، ولا يعبر عن معارضة للثوار، وإنما عن بطش النظام، وأنه لا يتورع عن ارتكاب مجزرة تلو أخرى، وهذا  ضعف بشري حاصل قديما وحديثا. وفي المقابل كثير ممن يحملون السلاح اليوم لم يكونوا مع الثورة، ولكنهم شاهدوا مجازر النظام الكارثية أو فقدوا عزيزا وربما أسرهم بكاملها أو ردمت دورهم وسويت بالأرض ولم يبق لديه ما يخشى عليه، فانضم إلى الثوار وأصبح يقاتل إلى جانب الثورة مضحيا بنفسه للخلاص من نظام لا يرحم شعبه، تسبب في المآسي والويلات لأناس أبرياء لا ذنب لهم أخذوا ظلما وعدوانا، ولولا هذا الإحساس ما استمرت الثورة.
إن كل عربي متابع يدرك ما أصاب السوريين من عنت وما لحق بهم من ضر وضرر، ملايين الأطفال والنساء مشردين داخل وطنهم وخارجه ليس لديهم ما يأويهم أو يستر أجسادهم ويسد رمقهم، هربوا من الموت قصفا وحرقا وقنصا، وأصبحوا يتقون قسوة الطبيعة بأوراق الشجر وسقوف الكهوف ومنعطفات الوديان والروابي، يحفرون ليعثروا على نبع يروي الظمأ، ومنهم من اقتات العشب واكل ما لا يؤكل مخمصة، ويتعرضون للتحرش والابتزاز وبين الناس ذئاب ليل بهياكل البشر، ومن تبقى في المدن والقرى آثروا الموت على حياة التشرد، وبات ينتظر طلقة  قناص أو قذيفة مدفع وصارخ أعمى وبرميل متفجرات من طائرات وراجمات النظام ليضع حدا لحياة مؤلمة، ومنهم مرابطون في أماكن يقاتل فيها أبناؤهم المقاومون للنظام تهون عليهم أرواحهم ويعز عليهم ترك أبنائهم، وباتوا ينتظرون المجهول سيان لديهم الموت والحياة.
من لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسب اب والموت واحد
مأساة الشعب السوري مأساة تستعصي على الوصف والإحاطة بدقائق وتفاصيل أجزائها، ولا نعتقد إن شعبا واجه رئيسا شريرا اقسي من بشار الأسد وأبيه وعمه وأخيه وحاشيته وزبانيته لا قديما ولا حديثا، سلطات غاشمة ونظام من شبيحة ومليشيات وعسكر وأنصار لا يتورع احدهم عن ارتكاب كل أنواع جرائم الإبادة الجماعية جهرا وسرا، بل ويجد متعة بذلك ويتباهى ويفخر، وإن بقاء هذا النظام يشكل خطرا على الأمة من محيطها إلى خليجها، ولا بد من حشد الإمكانات لإسقاطه، المثل يقول: “ وجع ساعة ولا كل ساعة” وحتما إن  الإصرار على السير في طريق إزاحة وبتر هذا العضو مهما بلغت التضحيات، أفضل للشعب السوري، لأن بقاء هذا النظام الوحشي المتغطرس يعني أن لا مستقبل ولا حياة  لأجيال سوريا القادمة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .