العدد 1618
الأربعاء 20 مارس 2013
تـونـس الخضـراء والربيـع الأخضــر د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الأربعاء 20 مارس 2013

لم يكن أبو القاسم الشابي يتخيل ولا يحلم أو يتوهم حينما أنشد تغريدته الذائعة “إرادة الحياة”، فقد كان صادقا كل الصدق مع نفسه وشعبه ووطنه، وجاء صوته معادلا موضوعيا لبيئته وحاضرته، وهل يعني وصف تونس بالخضراء غير إرادة الحياة؟ فليس غريبا أن تولد إرادة الربيع العربي من رحم تونس الخضراء وصلب شعبها. ولا بعيدا أن يستجيب القدر لصرخة شاعر شاب منح الأجيال أنشودة العمل الثوري، يصدحون بها كلما داهم الليل وطنهم الكبير وأردوا له أن ينجلي، وللقيد في أيادي شعبهم أن ينكسر، فقد كسرت تونس القيد وحطمت حاجز الخوف، وفتحت أبواب ظلت مقفلة بوجه الشمس ردحا من الزمن، بلغت فيه القلوب الحناجر من وطأة التحكم والقهر التي سادت المنطقة العربية، حتى بزغت شمس الربيع من تلك الربوع الخضراء.
تونس لم تتهيب صعود الجبال ولا مواجهة الصعاب، ولم تألف حياة الحفر، فيوم بنى عقبة ابن نافع الجامع الكبير في القيروان، وبنى حسان ابن النعمان جامع الزيتونة، وهما أقدم جامعين في إفريقيا، بُنيا أبان القرن الأول الهجري ليكونا منارتين مشعتين للثقافة العربية الإسلامية في سائر إفريقيا، ولتبقى بهما حصينة أمينة على عهدتها، تعض عليها بالنواجذ وفاء لتراثها الأصيل، وقد برهنت على ذلك يوم وقفت بوجه التغريب بالقهر وأبت أن تروض لأطماع الاحتلال الفرنسي الذي فرض عليها حمايته القاسية ما يزيد على قرن ونصف من 1881 -1956، فقاومته ولم يستطع الاستعمار خلالها بكل وسائله القمعية أن يطمس عروبتها ولا تحريف عقيدتها، وظلت على عهدها أمينة على الثوابت تقاوم حتى كتبت استقلالها بلغة الكفاح المرير، فكان لها ما أرادت من تحرر في مثل هذا اليوم، العشرين من مارس عيد الاستقلال الوطني الذي عادت فيه تونس إلى حاضنتها العربية وبرهنت على سموق أصالتها وعمق جذورها ونصاعة هويتها وقوة شخصيتها.
تونس التي راهن الكثيرون أنها ربما تنساق وراء شخصية بورقيبة الذي قاد مسيرتها نحو أربعين عاما منفتحا على الثقافة الغربية، محاولا بكل وسيلة التشبث بالمدنية الأوربية، ولكنها استعصت على التغريب ولم تخلع ثوبها القومي، ثم حاول من بعده زين العابدين بن علي لي عنقها لتكون مستعمرة شخصية يرتع فيها مع أقربائه وأصهاره وخاصته، دون سائر شعبها ويبتعد بها عن محيطها العربي في زمن رديء تفشى فيه التسلط الدكتاتوري الذي ناء بكلكل الأمة وحبس تطلعاتها. فإذا بالأمل يخضر فيها بعد يأس، وتخصب أرضها بعد جدب، وتجود سماؤها وتشرق شمسها من جديد في فجر ربيع عربي خط حروفه الأولى الشاب التونسي  بوعزيزي الذي كسر القيد ودفع حياته قربانا لحياة أمة محتجا على الفقر والتخلف والتسلط والتجبر ولم يتهيب صعود الجبال، فكان يوم خلوده مسمارا دُق في نعش الدكتاتورية الحمقاء، وغسقا انبلج عن وهج ربيع اليقظة الواعد، وبركان الثورة التي هزت العروش، وأطاحت بالطاغي والطاغوت، وعلمت النشء العربي الصاعد  كيف تقول الشعوب كلمتها، وتملي على الحكام المتسلطين إرادتها وترمي بهم في مستنقع العدم.
لم تكتف تونس بجمال السواحل الزرقاء، والربا الخضراء والوجه الحسن. بل جمعت إليها الريادة في صحوة الفكر ويقظة الضمير، عصية على الانحدار في اليمن او اليسار “الفرانكو او الانكلو” فمعدنها الأصيل عربي الروح إسلامي النهج وسطي المنهج، تقدمت ركب التحرر لتأتم بها طلائع التغيير فمنها سرى قبس الانتفاضة إلى ليبيا ونحو مصر ليعبر إلى سوريا واليمن في الجزيرة  ويجتاز رحيقها  البحار ويستلهم من وحي عطرها كيف تشق الشعوب طريقها نحو عهد تعرب فيه عن ذاتها، وتحرز حريتها.
تونس رغم ما يحيط بها اليوم من أخطار الشرق والغرب، وما يدبر لها خلف الأكمة تخوض تدافعا حضاريا مصيريا، ترسم فيه مستقبلها، فتؤكد المعطيات قدرتها على اجتياز التحدي وأنها تعبر مخاضها بثبات، وتشق طريقها نحو مستقبل أفضل، يمتص نسغ تفوقه من رصانة تراثها محصنة بانتمائها القومي، متمسكة بنمير رسالتها الإسلامية بلا إفراط ولا تفريط لتراهن على السبق والتألق، وتحصن قيمها وتقاليدها دولة عربية نامية، تفرض علينا الوقوف لها إكبارا واعتزازا وإجلالا لشعبها  الغيور الشجاع، نشاركه البهجة والحضور في عيد استقلاله وتحرره من الوصاية الأجنبية وعودتها إلى حجر الأمة الرءوم.
تحية لتونس القديمة الجديدة، تونس الماضي والحاضر والمستقبل، تونس الربيع رمز الولادة والخصوبة والنماء والعطاء، فتونس هي تونس لم تسلخ جلدها، ولم تغير لونها، وبقيت بيتا وحصنا للعرب، وتحية إجلال لشعب تونس الأبي، ونأمل أن تبقى على العهد الذي بايعت عليه عقبة بن نافع يوم حمل إليها رسالة الإسلام العربية أمانة. فنشرت الرسالة وحفظت الأمانة، ولم تزل على العهد الذي بايعت عليه.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .