+A
A-

البحرين تعيد كتابة معادلة التنمية بميزان الاقتصاد والبيئة

أطلقت البحرين والأمم المتحدة إطار التعاون للتنمية المستدامة للفترة 2025–2029

البحرين تواصل التوجه نحو نموذج اقتصادي قائم على المعرفة والخدمات والابتكار

تتبنى البحرين نموذجًا مؤسسيًّا لإدارة ملف التنمية المستدامة

يقوم على دمج أهداف التنمية المستدامة ضمن الخطط الحكومية الوطنية

 

تمثل الاستدامة اليوم أحد المحاور الأساسية في مسار التنمية بمملكة البحرين، خصوصًا مع انتقال الدولة خلال السنوات الأخيرة من التركيز على النمو الاقتصادي التقليدي إلى نموذج تنموي يوازن بين النمو الاقتصادي، والاستدامة البيئية، والعدالة الاجتماعية. 
ويستند هذا التحول إلى رؤية البحرين الاقتصادية 2030 التي جعلت «الاستدامة» أحد مبادئها الثلاثة إلى جانب العدالة والتنافسية، كما ارتبطت الجهود الوطنية بشكل مباشر بأجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030. 
وضع الاستدامة في البحرين
تتبنى البحرين نموذجًا مؤسسيًّا لإدارة ملف التنمية المستدامة يقوم على دمج أهداف التنمية المستدامة ضمن الخطط الحكومية الوطنية بدل التعامل معها كبرامج منفصلة. وتوضح المنصات الرسمية أن الدولة تعمل على مواءمة الأهداف الأممية السبعة عشر مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع اعتماد منظومة متابعة وقياس للمؤشرات الوطنية المرتبطة بالتنمية المستدامة. 
وخلال عام 2026 عززت وزارة التنمية المستدامة هذا التوجه عبر نشر الاستعراض الوطني الطوعي الثالث لمملكة البحرين بشأن التقدم المحرز في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، تمهيدًا لاستعراضه في المنتدى السياسي رفيع المستوى للأمم المتحدة، وهو ما يعكس استمرار البحرين في تقديم مراجعات دورية لقياس الإنجاز وتحديد الفجوات. 
وعلى المستوى الدولي، أطلقت البحرين والأمم المتحدة إطار التعاون للتنمية المستدامة للفترة 2025 – 2029، والذي يركز على بناء اقتصاد أكثر مرونة وشمولًا، وتعزيز التنمية البشرية، وتحسين إدارة الموارد البيئية، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية. ويُنظر إلى هذا الإطار باعتباره أحد أهم أدوات تحويل الاستدامة من مفهوم تخطيطي إلى تنفيذ فعلي متعدد القطاعات. 

السياسات الوطنية والاستراتيجيات الحكومية
تستند الاستدامة في البحرين إلى مجموعة من السياسات المتداخلة، يتقدمها برنامج الحكومة، ورؤية البحرين الاقتصادية 2030، والاستراتيجيات القطاعية المرتبطة بالطاقة والتعليم والتحول الرقمي والتنمية الحضرية.
وتشير الوثائق الحكومية إلى أن رؤية البحرين 2030 تستهدف تحقيق نمو اقتصادي قادر على الاستمرار دون استنزاف الموارد، مع رفع جودة الحياة وتحقيق عدالة أكبر في توزيع فرص التنمية. كما أن الحكومة اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى ربط التخطيط الحكومي بمؤشرات قابلة للقياس، بما يسمح بمتابعة الأداء بصورة دورية. 
ومن المؤشرات العملية على هذا التوجه توسيع دمج الاستدامة داخل المؤسسات الحكومية والقطاعات الخدمية. فعلى سبيل المثال، تبنت الجهات التعليمية برامج تربط التعليم بأهداف التنمية المستدامة، بما يشمل تطوير المناهج، ورفع جودة التعليم، وتعزيز فرص التعلم المستمر. 
كما توسعت الجهات الحكومية في إدراج الاستدامة ضمن التخطيط العمراني وإدارة الأراضي، وربط التنمية الحضرية بحماية البيئة والتنوع الحيوي وتحسين استخدام البيانات الحكومية في صنع القرار. 

الاستدامة الاقتصادية: تنويع الاقتصاد والتمويل المستدام
يُعد البعد الاقتصادي من أكثر محاور الاستدامة حضورًا في البحرين، خصوصًا في ظل السعي لتقليل الاعتماد النسبي على الأنشطة المرتبطة بالنفط وتعزيز مساهمة القطاعات ذات القيمة المضافة.
وتشير الأدبيات الحديثة الخاصة باقتصادات الخليج إلى أن البحرين تواصل التوجه نحو نموذج اقتصادي قائم على المعرفة والخدمات والابتكار، باعتبار التنويع الاقتصادي شرطًا رئيسًا للاستدامة طويلة الأجل. وتبرز قطاعات الخدمات المالية، والاقتصاد الرقمي، واللوجستيات، والسياحة ضمن القطاعات المرشحة لزيادة مساهمتها المستقبلية. 
كما شهد ملف التمويل المستدام توسعًا تدريجيًّا عبر زيادة الاهتمام بمفاهيم البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG)، ودمج اعتبارات الاستدامة ضمن أدوات التمويل والاستثمار. وفي الوقت نفسه، اتجهت البحرين إلى تنويع أدوات التمويل الحكومية والاستفادة من أسواق الدين العالمية لدعم الإنفاق والاستثمار الاقتصادي. ووفق بيانات منشورة عام 2025، كانت المملكة قد جمعت نحو 2.5 مليار دولار من إصدار سابق يجمع بين الصكوك والسندات ضمن سياسة تنويع التمويل. 

البعد البيئي والتحول نحو الاقتصاد الأخضر
أصبح البعد البيئي أكثر وضوحًا ضمن أجندة الاستدامة البحرينية خلال السنوات الأخيرة، مع التركيز على خفض الانبعاثات، والتوسع في التشجير، وتحسين كفاءة إدارة الموارد.
وفي هذا السياق أكدت وزارة شؤون البلديات والزراعة خلال عام 2026 استمرار تنفيذ خطة العمل الوطنية لتحقيق الحياد الكربوني، إلى جانب التوسع في مشاريع التشجير باعتبارها أدوات داعمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز المرونة البيئية. 
كما يجري إدماج الاعتبارات البيئية في سياسات التخطيط الحضري، من خلال تحسين استخدام الأراضي وتطوير المؤشرات المتعلقة بالنقل الحضري والاستفادة من نظم المعلومات والبيانات المكانية في دعم اتخاذ القرار. 
ورغم ذلك، فإن التحديات البيئية ما تزال قائمة، خصوصًا فيما يتعلق بمحدودية الموارد الطبيعية والضغوط الناتجة عن الكثافة العمرانية وارتفاع الطلب على الطاقة والمياه، وهي قضايا تشترك فيها معظم دول الخليج.

مؤشرات الأداء والتقدم نحو أهداف التنمية المستدامة
تشير البيانات الرسمية إلى أن البحرين تعتمد إطارًا وطنيًّا لقياس التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة من خلال مؤشرات دورية ومراجعات وطنية متتابعة. كما أن إطلاق إطار التعاون الأممي للفترة 2025 – 2029 يعكس انتقالًا من مرحلة الالتزام السياسي إلى مرحلة التركيز على النتائج القابلة للقياس. 
وفي مجال التنمية البشرية، تشير نماذج بحثية حديثة معتمدة على بيانات دولية إلى توقع استمرار استقرار أو تحسن مؤشرات التنمية البشرية في البحرين خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بعوامل التعليم والصحة والتنويع الاقتصادي، إلا أن هذه النتائج تنبؤية وليست بيانات حكومية رسمية ويجب التعامل معها بحذر. 

فرص التطوير حتى 2030
تدخل البحرين السنوات الأخيرة من أجندة 2030 وهي أمام فرصة لتعزيز موقعها كنموذج خليجي للاستدامة المؤسسية، خاصة في ظل البنية الرقمية المتقدمة نسبيًا، ووجود إطار حكومي واضح للتنمية.
وتتمثل أبرز فرص التطوير في تسريع التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون، وتعزيز التمويل المستدام، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، ورفع كفاءة استخدام البيانات في صنع القرار، وزيادة الاستثمار في الابتكار والاقتصاد المعرفي. كما أن نجاح البحرين في هذه المسارات سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المؤسسات على تحويل السياسات إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس والتقييم الدوري.