+A
A-

خط الدفاع الثاني بعد النفط والبنوك المركزية

  • الأمن الاقتصادي أصبح جزءا من الأمن القومي الخليجي

  • الصناديق السيادية تحولت من إدارة الثروة إلى إدارة المخاطر

  • 5 تريليونات دولار قوة مالية تحتاج إلى تكامل أكبر

  • الحرب كشفت عن أهمية الاستثمار في المناعة الاقتصادية

  • العائد الاستراتيجي لا يقل أهمية عن العائد المالي

 

د. حسن العالييهدف هذا التقرير إلى تحليل دور الصناديق السيادية الخليجية في ضوء العدوان الإيراني عبر أربعة مستويات مترابطة: حجم الأصول، وطبيعة الاستثمارات، والدور الذي لعبته أثناء الأزمة، والمطلوب منها في مرحلة ما بعد العدوان. ولا يتعامل التقرير مع الصناديق بوصفها أرقاما مالية فقط، بل بوصفها مؤسسات قادرة على تحويل الثروة النفطية إلى قدرة استراتيجية. كما يركز على البحرين وصندوق “ممتلكات”، ليس من زاوية المقارنة العددية مع عمالقة الخليج، بل من زاوية الدور الممكن للبحرين كمنصة متخصصة داخل منظومة استثمارية خليجية أكبر.
كتلة مالية تتجاوز خمسة تريليونات دولار
تدير الصناديق السيادية الخليجية الكبرى كتلة مالية تقدر بنحو 5 تريليونات دولار، مع اختلاف التقديرات بحسب منهجية احتساب الأصول والإفصاح. ويأتي في مقدمة هذه الصناديق جهاز أبوظبي للاستثمار بأصول تقدر بنحو 1.1 إلى 1.2 تريليون دولار، يليه صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي تظهر تقديرات “Global SWF” أنه تجاوز تريليون دولار، بينما تشير البيانات الرسمية السعودية إلى أن أصوله بلغت نحو 910 مليارات دولار بنهاية 2025. وتدير الهيئة العامة للاستثمار الكويتية أصولا تدور حول مستوى التريليون دولار، فيما يقدر حجم جهاز قطر للاستثمار بنحو 500 إلى 600 مليار دولار. أما “مبادلة” فقد أعلنت أن أصولها بلغت 385 مليار دولار في 2025، بينما كانت “القابضة ADQ” قبل إعادة هيكلة أبوظبي تدير أصولا بنحو 263 مليار دولار. وفي البحرين، تدير “ممتلكات” محفظة تقدر بنحو 18 إلى 20 مليار دولار، لكنها ترتبط مباشرة بأصول وطنية مؤثرة. هذه الأرقام تعني أن دول الخليج العربي لم تعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت أحد أكبر ملاك رأس المال السيادي في العالم، غير أن الحرب طرحت سؤالا أكثر حساسية: أتتحول هذه التريليونات إلى قوة جماعية لحماية الاقتصاد الخليجي، أم تبقى موزعة بين استراتيجيات وطنية منفصلة؟

أهم الصناديق السيادية الخليجية وحجم كل منها


استثمارات السعودية
يمثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي النموذج الأكثر وضوحا لتحول الصندوق السيادي من مستثمر مالي إلى محرك اقتصادي، فقد أصبح الصندوق أداة تنفيذية لرؤية 2030، عبر استثمارات في “نيوم”، و “البحر الأحمر”، و “القدية”، و “روشن”، و “الرياض للطيران”، والتعدين، والسيارات الكهربائية، والألعاب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، لكن الحرب جاءت في لحظة كان الصندوق يراجع فيها أولوياته أصلا، بسبب كلفة المشاريع العملاقة وضغوط أسعار النفط، لذلك لم يكن دوره أثناء الحرب في إطلاق مبادرات طارئة معلنة، بل في حماية استمرارية التحول الاقتصادي ومنع انتقال الصدمة الجيوسياسية إلى توقف شامل للمشاريع. الأهم أن توجهه الجديد نحو زيادة الوزن المحلي للاستثمارات يعكس إدراك أن الصندوق بات مطالبا بتوليد وظائف وإنتاجية داخلية، لا فقط شراء أصول عالمية.

استثمارات الإمارات
تتميز أبوظبي بتعدد أذرعها السيادية. جهاز أبوظبي للاستثمار يمثل الذراع العالمية، ويمتلك محافظ واسعة التنويع في الأسهم والسندات والعقار والبنية التحتية والأسواق الخاصة. “مبادلة” تمثل ذراع صناعات المستقبل، إذ تتجه بقوة إلى الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والرعاية الصحية، والطاقة النظيفة، والائتمان الخاص، والعقار والبنية التحتية. وقد أعلنت مبادلة في 2025 أصولا بقيمة 385 مليار دولار، مع عوائد سنوية مركبة تتجاوز 10 % على مدى خمس وعشر سنوات، ونشاط استثماري واسع في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. أما “القابضة ADQ”، التي أعيدت هيكلتها، فتملك أصولا استراتيجية في الموانئ، والطيران، والغذاء، والطاقة، والخدمات اللوجستية. هذا التوزيع جعل الإمارات أكثر استعدادا لفكرة الأمن الاقتصادي، لأن محفظتها السيادية لا تشتري أصولا مالية فقط، بل تبني شبكات تجارة وطاقة وغذاء ونقل.

استثمارات قطر والكويت
جهاز قطر للاستثمار يقوم على فلسفة بناء حضور عالمي طويل الأجل. وتظهر استثماراته في قطاعات العقار، والبنوك، والطاقة، والضيافة، والتكنولوجيا، والتجزئة، إضافة إلى أصول معروفة عالميا مثل حصص في شركات أوروبية كبرى ومنصات عقارية وضيافية. وقد خدمت هذه الاستثمارات قطر في بناء شبكة مصالح خارجية تقلل اعتمادها على الغاز وحده. أما الكويت، فتحتفظ بنموذج أكثر تحفظا عبر الهيئة العامة للاستثمار، إذ تظل أموال الأجيال جوهر الفلسفة الاستثمارية. هذا النموذج يمنح الكويت عمقا ماليا كبيرا، لكنه أقل ارتباطا المباشر بمشاريع التحول المحلي مقارنة بالسعودية والإمارات.

“ممتلكات”
“ممتلكات البحرين” ذراع سيادية ترتبط مباشرة بالاقتصاد الوطني. وقد أعلنت “ممتلكات” تحقيق صافي ربح موحد عائد للمساهم بلغ 592.7 مليون دينار بحريني في 2025، مقارنة بـ316.5 مليون دينار في 2024، مع إيرادات بلغت نحو 2.5 مليار دينار.
 وتتركز محفظتها في أصول استراتيجية مثل “طيران الخليج”، والبنوك، و “البا”، والعقار، والسياحة، والخدمات، واستثمارات دولية منتقاة. 
كما خرجت من بعض الاستثمارات عالية المخاطر، وعززت توجهها نحو الشراكات النوعية، ومن أبرزها التعاون مع “SandboxAQ” في التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي الدوائي، المتوقع أن يخلق أكثر من مليار دولار من القيمة عبر أصول دوائية وتقنية جديدة.  كما وقعت “ممتلكات” على اتفاق مع الشركة السعودية البحرينية للاستثمار التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، لبحث فرص مشتركة في قطاعات استراتيجية داخل البحرين.

فجوة بين حجم الثروة وحجم التكامل
 إذا كان أكبر إنجاز للصناديق السيادية الخليجية أثناء العدوان هو الحفاظ على الثقة والاستقرار، فإن أكبر ما كشفت عنه الأزمة هو وجود فجوة واضحة بين حجم الثروة المتاحة ومستوى التنسيق الاقتصادي القائم. ففي الوقت الذي تمتلك فيه دول الخليج العربي أصولا سيادية تتجاوز خمسة تريليونات دولار، لا يوجد حتى الآن صندوق خليجي مشترك للأمن الغذائي، ولا صندوق استراتيجي لسلاسل الإمداد، ولا منصة موحدة للاستثمار في الأمن السيبراني، ولا صندوق إقليمي للطوارئ الاقتصادية.
كشفت الحرب عن أن الخطر الذي يواجه الخليج العربي لم يعد يتمثل فقط في تقلب أسعار النفط، بل في انقطاع سلاسل التوريد، وتعطل الممرات البحرية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ونقص بعض السلع الاستراتيجية، والهجمات السيبرانية المحتملة على البنية التحتية. وبالتالي فإن استمرار توجيه الجزء الأكبر من الاستثمارات السيادية نحو تحقيق العوائد المالية فقط قد لا يكون كافيا في المرحلة المقبلة، فالاقتصاد الخليجي يحتاج اليوم إلى استثمارات استراتيجية في:
- الأمن الغذائي.
- الأمن المائي.
- الأمن الدوائي.
- مراكز البيانات والحوسبة السحابية.
- الأمن السيبراني.
- التخزين الاستراتيجي للطاقة والسلع.
- الممرات اللوجستية البديلة.
هذه القطاعات قد لا تحقق أعلى عائد مالي مباشر، لكنها تحقق ما يمكن تسميته “العائد الاستراتيجي”، أي تقليل المخاطر ورفع قدرة الاقتصادات الخليجية على الصمود أمام الأزمات. (لقراءة المادة كاملة يرجى الاطلاع على صفحة ابعاد على الموقع).

ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الحرب لم تكشف عن نقص في رأس المال، بل كشفت عن نقص في توجيه جزء من رأس المال هذا نحو بناء المناعة الاقتصادية الجماعية.
نحو جيل جديد
توصيات
أولا: إنشاء “صندوق خليجي للأمن الاقتصادي” برأسمال أولي لا يقل عن 100 مليار دولار، تساهم فيه الصناديق السيادية الكبرى وفق نسب متفق عليها. ويكون دوره تمويل المشاريع العابرة للحدود في الأمن الغذائي والمائي والدوائي واللوجستي.
ثانيا: تخصيص نسبة محددة من المحافظ السيادية الكبرى، ولتكن بين 5 % و10 %، للاستثمارات المرتبطة بالأمن الاقتصادي الخليجي، فلو خصصت الصناديق الخليجية مجتمعة 5 % فقط من أصولها لهذا الغرض، فإن ذلك يعني أكثر من 250 مليار دولار يمكن توجيهها لبناء بنية تحتية استراتيجية مشتركة.
ثالثا: إنشاء “منصة خليجية موحدة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات”، بما يضمن عدم تكرار الجهود وتوزيع الأدوار بين دول الخليج وفق مزاياها التنافسية.
رابعا: تسريع تمويل مشاريع التكامل الاقتصادي المؤجلة، وفي مقدمتها:
- مشروع السكك الحديدية الخليجية.
- الربط الكهربائي الخليجي الموسع.
- شبكات تخزين الغذاء والدواء.
- الموانئ والمراكز اللوجستية المتكاملة.
خامسا: تحويل الصناديق السيادية من مجرد مستثمرة عالمية إلى أدوات لبناء سلاسل قيمة خليجية مشتركة في الصناعات المتقدمة، والتكنولوجيا، والطاقة النظيفة.
سادسا: بالنسبة للبحرين، يمكن لـ “ممتلكات” أن تتبنى استراتيجية تقوم على جعل المملكة منصة إقليمية لاستثمارات التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي التطبيقي والخدمات الرقمية، مع استهداف شراكات مباشرة مع “PIF” و “مبادلة” و “QIA” في مشاريع نوعية بدلا من محاولة منافسة هذه الصناديق في الحجم.
وأخيرًا، تحتاج دول الخليج إلى صياغة “عقيدة استثمارية سيادية جديدة” يكون معيار النجاح فيها ليس فقط العائد المالي، بل أيضا مساهمة الاستثمار في تعزيز الأمن الاقتصادي، وتقوية التكامل الخليجي، وتقليل التعرض للصدمات الجيوسياسية مستقبلا.