العدد 6387
الجمعة 10 أبريل 2026
ليست كل الأزمات تبدأ من الواقع.. بعضها يبدأ من عنوان
الجمعة 10 أبريل 2026

ليست كل الأخبار كما تبدو، وأحيانًا ليست المشكلة في ماذا قيل، بل في كيف قيل. في زمن الأزمات، تتحول اللغة من وسيلة نقل، إلى أداة توجيه، فالجملة التي تُكتب بعفوية في الأيام العادية، تُصاغ تحت وعيٍ عالٍ في أوقات التوتر، لأن كل كلمة قد تُهدئ، أو تُشعل.

قد نقرأ خبرًا واحدًا، بوقائع متطابقة، لكنه يظهر لنا بوجوه مختلفة. عنوان يثير القلق في منصة، ويبعث الطمأنينة في أخرى. نفس الحدث، لكن بإحساس مختلف. الخبر ليس فقط ما يحدث، بل ما يتم اختياره ليُروى، وما يتم تجاهله في صمت. قد تُبرز جهة إعلامية جانب الخطر، فتصيغ العنوان بلغة حادة، تسبق فيها الانطباعات الحقائق. وقد تختار جهة أخرى نفس الخبر، لكنها تُقدّم السياق، وتُظهر التوازن، وتترك للقارئ مساحة للفهم بدلًا من دفعه نحو الخوف، فالفرق ليس في الحدث، بل في النية التحريرية.

وفي أوقات الأزمات، تصبح هذه الفروق الصغيرة شديدة التأثير، لأن المتلقي لا يبحث فقط عن معلومة، بل عن شعور بالأمان. والأخطر من ذلك، أن صياغة غير متقنة أو غير واعية قد تُضخّم ما هو بسيط، وتُحوّل ما هو عابر إلى أزمة، ليس لأن الواقع خطير، بل لأن اللغة أوحت بذلك. وهنا لا نتحدث عن افتراض، بل عن واقع موثّق. ففي نشرة الشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN) لشهر مارس 2026، تم رصد حجم غير مسبوق من المعلومات المضللة خلال الحرب في الشرق الأوسط. أكثر من 100 ادعاء مفبرك وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي تم التحقق منها عبر أدوات تدقيق المعلومات، في شهر واحد فقط. وهذا الرقم لا يعكس فقط انتشار التضليل، بل يكشف حجم التأثير الذي يمكن أن تصنعه صياغة واحدة غير دقيقة.

الإعلام ليس ناقلًا للخبر فقط، بل صانعًا للإدراك، لذا يصبح وعي من يصوغه مسؤولية، خصوصًا في زمن الأزمات.

في النهاية، ليست كل أزمة تبدأ من الواقع.. بعضها يبدأ من جملة.

* إعلامية بحرينية ومدربة

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .