العدد 6338
الجمعة 20 فبراير 2026
كيف بدأت الاستدامة في البحرين – البدايات الأولى (1990–1999)
الجمعة 20 فبراير 2026

قبل ثلاثين عامًا، لم يكن أحد في البحرين يتحدث عن الاستدامة. لم يكن المصطلح موجودًا في الأخبار أو في اجتماعات الشركات، ولم يكن جزءًا من النقاش الاقتصادي. لكن من عاش تلك الفترة يتذكر جيدًا أن البلد كان يتغير بسرعة. مدن تتوسع، مشاريع جديدة تظهر، واستهلاك الكهرباء والمياه يرتفع مع كل سنة.

في تلك المرحلة، كان التركيز طبيعيًّا على النمو. الاقتصاد يتطور، والفرص تزيد، ومستوى المعيشة يتحسن. لكن مع هذا التوسع، بدأ يظهر سؤال لم يكن يُطرح بصوت عالٍ، لكنه كان حاضرًا في خلفية المشهد: كيف يمكن أن يستمر هذا النمو في بلد موارده محدودة؟

البحرين، بحكم مساحتها وبيئتها، كانت دائمًا تدرك أهمية مواردها الطبيعية، خصوصًا المياه والبيئة البحرية. ومع زيادة النشاط الصناعي والعمراني في التسعينات، بدأت تظهر الحاجة إلى تنظيم أكبر لحماية هذه الموارد. لم يكن الهدف آنذاك الحديث عن البيئة كمفهوم عالمي، بل التعامل مع واقع محلي واضح: الحفاظ على ما يضمن استمرار الحياة والاقتصاد في الوقت نفسه.

لهذا السبب بدأت الجهات المختصة في تلك الفترة بوضع أنظمة للحد من التلوث وتنظيم استخدام الأراضي الساحلية وحماية البيئة البحرية. قد تبدو هذه الإجراءات اليوم أمورًا بديهية، لكنها في ذلك الوقت كانت تمثل بداية تغيير في طريقة التفكير، حيث لم يعد النمو الاقتصادي منفصلًا عن تأثيره على البيئة والمجتمع.

وفي الوقت نفسه، بدأت بعض الشركات الكبرى في تحسين أساليب التشغيل وتقليل الهدر وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، ليس تحت عنوان الاستدامة، بل بدافع تقليل التكاليف والالتزام بالمعايير الدولية. ومع مرور الوقت، ساهمت هذه الخطوات في ترسيخ فكرة مهمة: الكفاءة الاقتصادية وحماية الموارد يمكن أن تسير في الاتجاه نفسه.

ما نناقشه اليوم حول كفاءة الطاقة أو خفض الانبعاثات لم يبدأ فجأة. جذور هذا النقاش تعود إلى تلك المرحلة، عندما بدأت البحرين، بهدوء، تدرك أن التنمية ليست فقط ما يتحقق اليوم، بل ما يمكن الحفاظ عليه غدًا أيضًا.

مع نهاية التسعينيات، لم تكن هناك استراتيجيات وطنية تحمل اسم الاستدامة، ولم تكن هناك تقارير أو مؤشرات كما نراها اليوم. لكن كان هناك تحول حقيقي في التفكير. أصبح واضحًا أن النمو الاقتصادي يحتاج إلى رؤية أطول، وأن التحديات البيئية والاقتصادية مترابطة، وأن القرارات التي تُتخذ اليوم ستؤثر على شكل الاقتصاد في المستقبل.

هذه المرحلة يمكن وصفها ببداية القصة. لم تكن مرحلة شعارات أو خطط كبيرة، بل كانت مرحلة إدراك تدريجي بأن التنمية تحتاج إلى توازن. ومن هذا الإدراك بدأت المرحلة التالية، مع دخول الألفية الجديدة، حين بدأ يظهر مفهوم جديد في النقاش الاقتصادي في البحرين: التنمية المستدامة.

وفي المقال القادم، سننتقل إلى تلك المرحلة، حين بدأت البحرين تتحول من التركيز على حماية البيئة فقط إلى تبني مفهوم أوسع يربط بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة في إطار واحد، وهو ما مهد لاحقًا لإطلاق رؤية البحرين الاقتصادية 2030، ودخول الاستدامة مرحلة جديدة تمامًا.

* رئيس الاستدامة في بنك البحرين والكويت

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .