المكاتب الهندسية الكبرى: جودة عالية لا يصل إليها المواطن البسيط
تحقيق "البلاد": إنذارات دبي تثير سؤالا عن واقع المكاتب الاستشارية في البحرين
أعلنت بلدية دبي في وقت سابق من هذا الشهر، عن توجيه إنذار لعدد من مكاتب الاستشارات الهندسية بعد رصد ممارسات مهنية تضمنت مبالغة في التصاميم الإنشائية لفلل المواطنين، على نحو يتعارض مع اشتراطات كود دبي للبناء ويؤدي إلى زيادة غير مبررة في تكاليف البناء دون حاجة هندسية مثبتة.
“البلاد” بدورها قامت برصد آراء خبراء عقاريين في البحرين عما إذا كانت هناك تجاوزات مماثلة في البحرين تستدعي تدخل الجهات المعنية، وعلى ضوء ذلك أشار المدير العام لمجموعة غرناطة العقارية حسن مشيمع إلى أن غالبية مكاتب الاستشارات الهندسية في البحرين صغيرة الحجم وتفتقر إلى الإمكانات والموارد البشرية اللازمة لتقديم خدمات متكاملة للعملاء، ويعتمد عمل هذه المكاتب غالبًا على أساليب تقليدية تشبه نسخ المعلومات المعمول بها دون قدرة حقيقية على الابتكار أو تقديم حلول هندسية متكاملة، ما ينعكس سلبًا على جودة المشاريع وتنفيذها.
وتابع مشيمع بأن معظم هذه المكاتب غير قادرة على ممارسة المهنة بالشكل الذي يخدم المواطنين، ويقتصر الأداء المهني على عدد محدود من كبار المكاتب الهندسية، بينما يقوم المقاول في كثير من الحالات بدور الاستشاري، وهو ما يشير إلى وجود خلل في تقديم الخدمات المهنية، كما أنها غير قادرة على تقديم خرائط صحيحة أو كاملة التفاصيل أو الخرائط التنفيذية التفصيلية التي تُسهم في مساعدة المواطن على فهم مكونات مشروعه، دون الحاجة للاجتهاد الشخصي أو الاعتماد على اجتهادات المقاول، وهذا النقص في التفاصيل يؤدي إلى غموض في مراحل التنفيذ، ويزيد من احتمال وقوع أخطاء أو تعديلات غير مدروسة أثناء البناء، ما ينعكس سلبًا على جودة المشروع وسلامته.
وبين مشيمع أنه وفي كثير من المشروعات السكنية، يكون البناء نتيجة اجتهاد المقاول أو صاحب المنزل، دون تدخل فعلي من الاستشاري، على الرغم من أن دوره الأساسي يشمل الإشراف والمراقبة المستمرة لجميع مراحل البناء، بما في ذلك توثيق الأعمال في الموقع، خصوصا أثناء أوقات زيادة الأعمال أو التعديلات، إلا أن هذا الإشراف غالبًا لا يتم بالشكل المطلوب، ما يؤدي إلى وجود أخطاء ومخاطر في التنفيذ، بالإضافة إلى ذلك كله تقتصر الزيارات الميدانية لهذه المكاتب عادة على من ثلاث إلى أربع مرات فقط، وهو عدد غير كافٍ لتقييم الموقع ووضع مخططات دقيقة قابلة للتنفيذ، ما يؤدي إلى مشكلات في تنفيذ المشروعات لاحقًا.
وأشار إلى أن المكاتب الهندسية الكبرى تمتلك الإمكانات البشرية والتقنية اللازمة لتقديم خدمات احترافية، لكنها غالبًا غير متاحة للمواطن البسيط بسبب ارتفاع تكلفتها وارتفاع تكلفة التنفيذ والذي قد لا يتم تنفيذ أكثرها، فتقتصر مشروعاتها على المباني الطويلة والكبيرة، ما يجعل شريحة واسعة من السكان محرومة من الاستفادة من خدماتها.
واختتم مشيمع حديثه لـ “البلاد” نبينا أنه في ظل هذا الواقع يصبح من الضروري العمل على رفع كفاءة المكاتب الصغيرة، وتطوير قدرات الاستشاريين، ووضع معايير واضحة للخرائط الهندسية ومراقبة الالتزام بها، بالإضافة إلى إيجاد حلول لتسهيل وصول المواطنين إلى خدمات المكاتب الكبرى أو دعم إنشاء مكاتب متوسطة توفر جودة عالية بتكلفة معقولة.
بدوره، قال رئيس لجنة العقار بجمعية رجال الأعمال البحرينية ناصر الأهلي إنه لا شك أن هنالك بعض مكاتب الاستشارات الهندسية في البحرين قد تضيف عناصر تصميمية غير ضرورية أو تزيد من تعقيد المشروعات بهدف تحقيق أرباح أعلى، غير أن هذا لا ينطبق على جميع المكاتب، فطريقة عمل كل مكتب تتأثر بالقوانين المحلية، ومتطلبات السوق، واحتياجات السكان، وظروف البناء في كل بلد.
في البحرين، الغالبية العظمى من المكاتب الهندسية يملكها بحرينيون على دراية بالسوق المحلية، حيث يُبنى نحو 70 % من المنازل لفئة ذوي الدخل المتوسط والمحدود، هذا الواقع يجعل المكاتب تركز غالبًا على تقديم تصاميم عملية، اقتصادية، وتتناسب مع ميزانيات المواطنين والمستثمرين، لافتًا إلى أن الاتفاقات المسبقة بين العميل والمكتب على الميزانية المطلوبة توفر إطارًا واضحًا يمنع المبالغة أو التجاوز في التكاليف، ما يحافظ على توازن بين جودة التصميم والتكلفة الفعلية للمشروع.
أما في دبي، فإن غالبية المكاتب الهندسية أجنبية، وتعمل في سوق عقارية مختلفة تمامًا عن البحرين، وتركز على المشروعات الفاخرة والتصاميم المعمارية المبتكرة، وخلص الأهلي، إلى أنه يمكن القول إن التباين بين ممارسات المكاتب الهندسية في البحرين ودبي يعكس طبيعة السوق، التركيبة السكانية، والبيئة التنظيمية لكل بلد، وهو ما يفسر الاختلاف في النهج بين المكاتب المحلية والأجنبية، وفي كيفية التعامل مع ميزانيات العملاء ومتطلباتهم.
بدوره قال الكاتب في صحيفة “البلاد” علي جلال إن بعض أصحاب المكاتب الاستشارية الهندسية يعمدون إلى المبالغة في التصاميم بغرض رفع الكلفة المالية للمشروعات السكنية، وهو ما ينعكس سلبًا على المواطنين الراغبين في بناء منازلهم ويضيف تكاليف مصطنعة ترهق ميزانياتهم. وأشار إلى أن بلدية دبي تحركت حديثا لمواجهة هذه الممارسات من خلال توجيه إنذارات إلى المكاتب التي تقوم بهذا التلاعب.
وبيّن أن المشكلة لا تقتصر على التلاعب فقط، بل تمتد إلى اتجاه بعض المواطنين نحو اختيار تصاميم هندسية غير متناسبة مع قدراتهم المادية، مثل النوافذ الكبيرة جدًا أو ما يعرف بـ “الدبل هايت”، وهي عناصر معمارية تغري بها بعض المكاتب عملاءها دون مراعاة طبيعة المناخ الحار أو الأعباء المالية اللاحقة، مبينًا أن هذه التصاميم تفرض تحديات إضافية، من بينها الحاجة إلى أنظمة تكييف ضخمة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية، إضافة إلى التكاليف العالية في تنفيذ أعمال الألمنيوم والنوافذ والصيانة المستقبلية. وهو ما قد يضاعف من فواتير الكهرباء ويضغط على البنية التحتية.
وأكد أن الأنظمة البلدية القائمة واشتراطات هيئة الكهرباء والماء وُضعت لتكون صديقة للبيئة وموفرة للطاقة، غير أن استمرار بعض المكاتب في تسويق مثل هذه التصاميم قد يحد من فعالية هذه الإجراءات. وطرح تساؤلات عن مدى استعداد تلك المكاتب للإسهام في الحل عبر توعية العملاء بهذه التفاصيل، إلى جانب الحاجة لتكثيف حملات التثقيف لمواجهة التسويق القوي لهذه التصاميم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتعليقًا على كل ذلك، قال رئيس جمعية المكاتب الهندسية، المهندس فائق المنديل بشأن ما يطرح أن بعض المكاتب الهندسية تقوم بالمبالغة في التصاميم الإنشائية بقصد رفع الكلفة المالية للمشروعات، وتناسبها الطردي مع أتعاب الخدمات الهندسية، وأثرها على قدرات المواطن المالية، فإننا نوضح أن موقف الجمعية من هذا الموضوع المهم والذي يخص المواطن بالدرجة الأولى، بأنها سعت ومنذ تأسيسها في العام 2013 إلى ملامسة احتياجات المواطنين والمطورين العقاريين وتقييم الأوضاع العمرانية بمختلف القطاعات العمرانية والهندسية، من خلال مراجعة التشريعات والقوانين المنظمة للعمران والاجراءات الفنية التي تسهم في تخفيف الأعباء على المواطنين، دون الإخلال بالمستوى العام للمهنة.
وأضاف أن الجمعية سعت من خلال تعاونها مع مختلف الوزارات والأجهزة الحكومية المعنية بالتعمير والإسكان من ناحية ومع مجلس تنظيم مزاولة المهن الهندسية من ناحية أخرى، للإسهام في رفع مستوى وكفاءة المكاتب الهندسية لتفادي المعوقات والمشكلات التي تبرز بين وقت وآخر لأصحاب المكاتب الهندسية وعملائهم، أخذين في الاعتبار أهمية الحفاظ على المنظر البصري العام للعمران بمختلف المناطق بالمملكة وكذلك ضمان سلامة المباني من الناحية الإنشائية، ومراعاة القدرات الاقتصادية لكلا الطرفين.
وفي هذا الإطار، يبين المنديل أن الجمعية ساهمت وبدعوات كريمة ومقدرة من مختلف الجهات الحكومية ذات الاختصاص في الإضاءة على آراء المكاتب الهندسية في مختلف التشريعات المنظمة للعمران من خلال مراجعة قانون البناء والاشتراطات التنظيمية للتعمير بمختلف مناطق المملكة، بالإضافة إلى تمثيل الجمعية في مختلف اللجان والهيئات ذات العلاقة، على سبيل المثال التمثيل بعضوية لجنة الواجهات وعضوية لجنة العقار والإنشاء بغرفة تجارة وصناعة البحرين كأعضاء ومستشارين، والتواصل الدائم مع هذه الجهات للتنسيق فيما يتعلق بإبراز أهم المتطلبات التي تسهم في استقطاب المستثمرين في القطاع العقاري والعمراني.
وفيما بتعلق بتنظيم مزاولة المهنة وتطوير أداء المكاتب الهندسية، أوضح المنديل أن الجمعية تبنت العديد من المقترحات بشأن تحسين أداء المكاتب الهندسية بمختلف فئاتها، وتحسين جودة أعمالها ومنتجاتها، أبرزها تحديد الحد الأدنى من الأتعاب مقابل الخدمات الهندسية لمختلف فئات التخصصات الهندسية لضبط الإنتاجية وثبات سوق العمل الهندسي، وذلك أسوة بالدول المتقدمة في هذا المجال، والتي تشمل أعمال التصميم والإشراف الهندسي، وذلك مقابل خدمات محددة ملزمة للمكتب الهندسي وبمستوى محدد، يضمن حقوق المستهلك وحقوق المكتب وواجباته، وذلك استنادا إلى تقديرات تكاليف التعمير والتي يتطلب صدورها بصفة دورية من قبل الجهات الحكومية ذات الاختصاص من أجل توحيد معدلات التكلفة، مع مراعاة المشروعات ونوعيتها حسب فئاتها ونوعيتها. وتقوم حاليا الجمعية بصياغة جداول إرشادية للمكاتب الهندسية في هذا الشأن، سيتم إعلانها في المستقبل القريب.
وزاد تم التنسيق بين جمعية المكاتب الهندسية وممثلين عن مجلس تنظيم مزاولة المهن الهندسية وبالتنسيق مع وزارة شؤون البلديات والزراعة، بإعداد مرجعية فنية للحد الأدنى من التصاميم والرسومات الهندسية الواجب تقديمها من قبل المكاتب الهندسية لطلب تراخيص البناء، وذلك بغرض الحفاظ على المستوى العام للمشروعات بمختلف نوعياتها وفئاتها، وعلى ضوء تحسين أداء المكاتب الهندسية.
وطالبت الجمعية بمراجعة بعض بنود اللائحة التنفيذية الصادرة بالقرار رقم (27) لسنة 2023 بإصدار اللائحة التنفيذية للمرسوم بقانون رقم ( 51) لسنة 2014، بشأن تنظيم مزاولة المهن الهندسية والمرسوم بقانون رقم (18) لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام القانون رقم (51) لسنة 2014 في شأن تنظيم مزاولة المهن الهندسية، وعلى وجه الخصوص البنود المتعلقة بعدد المشروعات المنوطة للمهندسين بالمكاتب الهندسية وتعديل معدلاتها بالمساحات المترية بدلا عن عدد المشروعات، في مختلف مراحل المشروعات الهندسية وربطها بنظام بنايات، كما أن الجمعية تسعى من خلال علاقتها المتميزة مع مجلس تنظيم مزاولة المهن الهندسية إلى مراجعة إجراءات الترخيص للمكاتب الهندسية الجديدة وتحديد وترفيع درجاتها الفئوية.
وزاد أنه يجب على المطورين وملاك العقارات المراد تطويرها أن يحسنوا اختيار المكاتب الهندسية المناسبة لمشروعاتهم بعد دراسة قدراتهم الفنية وكفاءة مهندسيهم عوضا عن اختيارهم المكاتب التي تقدم الأتعاب الأرخص، والتي يقابلها خفض المستوى أو الاعتماد على المكاتب التي تصدق بختمها على مشروعات يتم إعدادها من قبل مهندسين غير مرخصين يعملون لدى شركات التطوير.
وأوضح المنديل أن كل ذلك لا يعني إعفاء بعض المكاتب الهندسية من التجاوزات الواردة منهم سواء في المبالغة في التصاميم الهندسية غير المبررة أو في اعتماد التصاميم التي تصدرها بعض شركات التطوير من قبل مهندسين غير معتمدين لممارسة المهنة، واعتمادها من مكاتب هندسية والتي تعتبر مخالفة صريحة لقانون مزاولة المهن الهندسية، والتي نأمل للتعامل معهم بروح القانون وإيقاف هذه التجاوزات.
واختتم حديثه لـ “البلاد” بأن الموضوع متشعب وهناك أكثر من طرف فيما وصلت إليه هذه الممارسات،
بدءا من مالك العقار ووعيه في الحصول على عمل نوعي مقابل عمل رخيص، وكذلك أصحاب المكاتب في طريقة نظرتهم واحترامهم لهذه المهنة الإنسانية، وأخيرا الجهات الحكومية في كيفية تشجيع الاستثمار العقاري وكيفية الحفاظ على الرصيد العقاري لسنوات مديدة.
من ناحية أخرى، ترى الجمعية أهمية صدور لائحة أو اشتراطات خاصة بكود التصاميم الإنشائية والميكانيكية والكهربائية، وتشكيل فريق تدقيق من قبل المكاتب المتخصصة في الهندسية القيمية للتأكد من صحة التصاميم الإنشائية والهندسية، تفاديا لتجاوز بعض المهندسين ذوي الخبرة المحدودة والمكاتب الهندسية حديثة الترخيص، من المبالغة في التصاميم الهندسية المكلفة للعملاء.