قادت الرياضيات (آينشتاين) إلى تصور كون متحرك متمدد، قرر بغلطة اعترف فيها لاحقاً أنه ارتكب اعظم حماقة في حياته، عندما قرر إخراس وإسكات المعادلات الرياضية، وعدم الإصغاء الى حديث الأرقام المجرد من العواطف، فأدخل تصوراته الذهنية، ورؤى المجتمع، وضغط الثقافة على صرامة الرياضيات، التي لا تحابي في العادة؛ فحوَّرها وبدَّل فيها؛ فأدخل بعنوة بين جدران الرياضيات المتماسكة اسفيناً ضعيفاً من رؤى خاصة حول الوجود، سماه الثابت الكوني.
الكون يتحرك ويتمدد ولكن (آينشتاين) أصيب بالهلع من أرض تميد تحت أقدامه، وكون يتمدد كبالونة تنفخها قدرة خفية.
وجد آينشتاين أنه من المريح أن يوقف حركة تمدد الكون، فيراه كوناً (استاتيكياً) جامداً، وليس ديناميكياً متحركاً متحرراً متمدداً.
آثر آينشتاين الرجوع الى قوى العقل (الآبائية) لإيقاف حركة الرياضيات، ولكن الرياضيات لا تقبل الرشوة أو الوساطة أو المحاباة كما لا تستجيب للأهواء.
في النهاية قذفت الرياضيات هذه الكوابح، وجاءت الدلائل من كل جهة عن طبيعة كون عملاق لا تعرف نهايته، في حالة تمدد بدأها قبل 15 مليار سنة، وهو يمضي إلى أجل مسمى.
جاءت الدلائل من الرياضيات والكوسمولوجيا، وتقنية التلسكوبات، والفيزياء مع فهم ظاهرة الزحزحة الحمراء، بتحليل الطيف اللوني للضوء.
لابد من كسر المسلمات والتخلص من التقليد.
ولكن (بول ديراك) الرياضي البريطاني الشاب كان عنيداً أكثر من آينشتاين، فلم يستسلم لضغط الآراء السائدة، ولعله الخلق البريطاني البارد؟ وأصغى بكل جوارحه للنداء الكوني وحديث الرياضيات. وحسناً فعل. إذا كانت المعادلة الرياضية تقول أن هناك (الكترون) خفي يحمل (شحنة موجبة) فلابد من البحث عنه في جهات المعمورة الأربعة وأقطار السموات، وإذا كان هذا الالكترون السحري الخفي لا نعرفه، فسوف يطل علينا برأسه ولو بعد حين.
هذا الحين لم يستغرق أكثر من أربع سنوات؛ ففي عام 1932 م استطاع شاب أميركي فيزيائي طموح هو (كارل ديفيد أندرسون CARL DAVID ANDERSON) في معهد كاليفورنيا التكنولوجي في باسادينا (CALIFORNIA INSTITUTE OF TECHNOLOGY IN PASADENA) وبتقنية خاصة من اصطياد ظل الالكترون المستخفي بالليل السارب بالنهار.
تلقى بعدها ديراك الاعتراف العالمي للتجلي العبقري، وفوقها إكرام جائزة نوبل للفيزياء، كما نال صائد الظل المقلوب جائزة نوبل مثله، وتم مسح الالكترون الظل القرين باسم (البوزيترون POSITRON).
قال ديراك في حفلة تسلمه جائزة نوبل في السويد: من يدري لعل هناك عوالم كاملة هي نظيرنا حذو القذة للقذة، في صورة كوبي مختلفة، على شكل مقلوب جداً، فلم تبق المسألة عند الالكترون الظل.
كان ديراك يعني بكلماته القليلة، أن الأمر لن يتوقف عند الالكترون الحائر بين السالب والموجب، بل وجود كيان كامل للذرة على صورة معكوسة الشحنة.
وإذا كانت نبوءة ديراك عن شخصية الالكترون السلبي (البوزيترون) العجيبة المختبئة في تضاعيف الوجود احتاجت إلى أربع سنوات لتحقيقها، فإن شخصية البروتون (سلبية الشحنة) استغرق 23 سنة حتى أمكن الاهتداء عليه، وأعلن عنه رسمياً في جامعة كاليفورنيا، في بيركلي عام 1955 م.
وهكذا بدأت ملامح صورة العالم الخفي (مضاد المادة) تتكامل وتسعى إلى الظهور تدريجياً، وتحمس العلماء تحت ضغط فكرة بسيطة، بإنتاج مضاد البروتون والبوزيترون مثل الملح والسكر، ومزجهما ببعض ليتم ولادة أول ذرة هيدروجين، التي تمثل أبسط بناء ذري في الوجود، من خلال التحام البروتون (السلبي) مع الالكترون (الموجب) ولكن الرحلة لم تكن بهذه البساطة، ولم تسلم الذرة أسرارها بسهولة، فمازال الطريق طويلاً أمام كلمة السر افتح يا سمسم.
وفي الوقت الذي آثر الفيزيائيون طريق الشقاء الطويل، وكيلومترات الأوراق، من الحسابات المملة، لأجهزة تصم الآذان بطنينها المتجدد، كان الأطباء أكثر حظاً، في الاستفادة من التقنيات الجديدة؛ فهرعوا الى (البوزيترون) يستفيدون من أسراره، فأمكن تطويعه في تقنيات متقدمة، للكشف عن وظائف الدماغ، وأورام المخ والجملة العصبية عموماً، فمع حقن السكر الذي يحمل ذرة الكربون المشعة، يتعرض (نظير المادة) إلى التحلل وإطلاق (البوزيترون) الالكترون الموجب، الذي يفاجأ بغريمه وظله المقابل الذي يتربص به الدوائر، فيهرعان للنزال والطعان، بثمن مخيف من اندثار الاثنين في الصدام الموحش، والعنف المتبادل.
وطوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض.
أظهرت الفيزياء النووية حقيقة مروعة عن التقاء المادة ومضادها، في تجلي فلسفي عصي. إذا اجتمعت المادة وضدها أو جزيئاتها، حصل ارتطام مروع قضى على الاثنين، وأفنى الطرفين باندثار مرعب ومحرقة مهولة، مع انطلاق طاقة خيالية من أشعة جاما في صورة فوتونات طاقة.
قال الأطباء: حسناً رب ضارة نافعة، هذا التتالي من الانفجارات الصغيرة في الدماغ بارتطام البوزيترون بالالكترون، سيعطينا النبأ اليقين عن أمكنة النشاط في الدماغ، حيث يتم استهلاك أكبر قدر من السكر، أو تقوم بعض الأمكنة في الدماغ بفعاليات خاصة عند النطق والتعبير، أو مع تألق الذهن وفيض التأمل ونشاط الكتابة ولحظات الابداع، أو الانتشاء بالموسيقى وحضور الذهن بإصغاء السمع.
كذلك طالما كانت الأورام الخبيثة نشيطة خلوياً؛ فيمكن الكشف عنها على هذه الشاكلة، من الحركة والوظيفة لتفجرات البوزيترون المتتالية، فيخرج علينا الورم بتألق ونبض، على شكل يوحي بما يحدث فيه، خلافاً لبقية الانسجة الهادئة، خارج صخب وأمواج وعنف الخلايا الورمية الخبيثة النشيطة.
اعتمد الاطباء جهاز إصدار البوزيترون الماسح الذي يرمز له: (PET POSITRON EMISSION TOMOGRAM) للكشف عن المشاكل المرضية بقصد العلاج للإنسان، ولكن لعاب العسكريين سال إلى شيء مختلف.
قال العسكريون : هل يشكل ارتطام البوزيترون مع ظله، أو البروتون مع ضده، طاقة يعتد بها وتصلح للاستخدام العسكري، كسلاح استراتيجي حاسم؟.
إن ما عرف عن قوة الانفجار بين المادة وضدها شيء مهول يفوق كل خيال، وهو لحسن الحظ غير متوفر، وبين العالمين المادة ومضادها برزخ لا يبغيان.