الصراع على السلطة لا يكون بين قوى الخير والشر فقط بل أيضًا بين أركان الشر عندما تتضارب مصالحها، فكل طرف يَحشد ما يستطيع من الإمكانيات لتثبيت نفسه، وتغيب كل فرص التفاهمات في معركة واحدة غنيمتها السلطة، والمتضرر من هذا الصراع العباد والبلاد. فهذا ما يحدث في العراق بين طرفين من رحم سياسي واحد، طرفان يستنفران طاقتاهما أمام مغريات منفعة الذات، فالمالكي لم يجر إصلاحات بل زادت في عهده الأزمات، وبقي في كرسيه ولايتين ويبتغي الثالثة، لا يقوى على مغادرتها، ادعى قدرته على تطهير البلاد من الفساد، وتناسى أن تطهير النية من الفساد أشد من محاربة الفساد، خصوصا أن الغرض الذي أتى من أجله ليس المنفعة العامة بل لتجميع ما يستطيع من الثروة، ولأنه لم يأت لوحده بل هناك من أتى به وقلده هذه المنصب الذي لا يملك منه حتى اسمه. ومَن أتى به بالأمس تخلى عنه اليوم؛ ووضع غيره لكنه لا يختلف عنه في شيء فهو من نفس المصدر والإنتاج.
لم ينجز السلف شيئًا ليكمله الخلف، لم ينفك الدمار والخراب عن بغداد وأخواتها، ولا تزال ماكينة التصليح والإعمار صامتة عن الكلام وعاجزة عن الحراك، سوى اشتعال نار الصراعات بين أقرب الأقربين في الطائفة الواحدة والحزب الواحد. فما الفرق بين المالكي والعبادي؟ الاثنان من شجرة واحدة، وإن تعددت الأغصان واختلفت تفرعاتها فالمنبع واحد، فلا مفاضلة بينهما، فالأول حصد ما أراد والآخر على سلفه سائر. إن تغيير الوجوه والشخصيات لن يقود إلى وقف نزيف العراق لأن السلف والخلف ينتميان إلى نفس الطائفة السياسية يمتلكان ذات الرؤى ويسيران على نفس المنهج وتخرجا من المدرسة الإيرانية التي أدمت العراق ترابًا وشعبًا.
لقد عاش الإنسان العراقي وأرضه قبل عام 2003م عزيزًا كريمًا في ظل قيادة ترعى حقوقه وتصون كرامته وكرامة بلاده، وبعد هذا العام أصبحت من المحرمات فأصبح الإنسان مهانًا مُهمشًا في ظل حُكم داعم للمظالم التي عاشها الإنسان العراقي وأرضه. فها هي مدة المالكي انتهت وتم تنصيب العبادي، ولكن العراق وشعبه لم يسعفه السلف حتى يداويه الخلف، بل بحاجة إلى قواه الوطنية العربية الأصيلة لإكمال مسيرة التحرير والجهاد لتحرير العراق وشعبه لتعود للعراق بهجته وهيبته ومكانته العربية والإقليمية ولشعبه حريته وحقوقه وآماله.
يُسجل التاريخ الأدوار الخيانية لحزب الدعوة وأقرانه في العراق، هذه الأحزاب التي أتت من رحم أعداء العروبة والعراقيين، الذين تم تنصيبهم بعد الاحتلال لاستكمال أدوارهم التي آذت العراق ونهبته وعملت على شطب عروبته بتغيير ديمغرافيته السكانية بتجنيس الإيرانيين، وهذا من أسباب احتلال العراق وتغيير نظامه الوطني. فعاش العراقيون أكثر من عشر سنوات تحت ظل جرائم لا تكفي كل أوراق الدنيا لشرح تفاصيلها وسرد قصصها، من تفجير واعتقالات وتهجير وصولاً لتقسيم أراضيه إلى طائفية وعرقية.
فلا أسف على رحيل المالكي ولا مرحبًا بقدوم العبادي، ويجب على العراقيين وأحرار العرب عدم الانشغال بهذا الذهاب والإياب، بل صب الجهد والقدرات وجعلها بيد ثوار العراق ومجلسهم العسكري لتحرير البلاد والعباد من الاحتلال وعبيده ومن يقف وراءهم. لن يستطيع العبادي أن يعمل ما لم يعمله المالكي، لكن باستمرار ثوار العراق ومقاومته الوطنية الباسلة سيتحقق هدف تحرير العراق، والبدء بثورة البناء والتعمير، هذا ما ينتظره العراقيون حيث لن يستطيع العبادي أن يحققه للعراقيين بحيث أضحى الموت بالنسبة إليهم أرخص من الحياة.
في ولايتين حصل المالكي على دعم مباشر ومستمر من طهران على الرغم من اعتراض القوى السياسية الأخرى في العراق، وحافظ على أعلى مستوى من العلاقة معها ولم يبدِ أية ممانعة لطلباتها في الملفات العراقية الداخلية والخارجية المرتبطة بالمصالح الإيرانية الإقليمية. وباءت محاولات قائد فيلق القدس الإيراني بالفشل في إقناع المرجعيات الدينية والقوى السياسية الشيعية العراقية لتولي المالكي ولاية ثالثة، ونتيجة لذلك فقد نشر موقع “تابناك” المقرب من فيلق الحرس الثوري الإيراني تقريرا تحت عنوان “لا أحد يريد المالكي في العراق”، تبعه تصريح السفير الإيراني في العراق مفاده “أن إيران تؤيد مطلب التغيير الذي طالبت به المرجعية”. وبالرغم من ذلك فإن إيران ترغب ببقاء المالكي في موقعه وفقًا لمنطلق “الصديق الذي جربته أفضل من الذي لم تجربه بعد”، إلا أن إيران لا تهمها مصلحة المالكي والعراق بل هي معنية بمصالحها في العراق ودول الجوار، ولا مانع لديها باستبداله بشخص آخر “العبادي” مادام يتمتع بالمواصفات والمعايير الإيرانية. فالمالكي والعبادي وجهان لعملة واحدة.