العدد 2133
الأحد 17 أغسطس 2014
العرب وغرائب التقسيم
ستة على ستة
الأحد 17 أغسطس 2014

يعيش العرب حالة غير مسبوقة من التفكك ووضعا غير مألوف من الانقسام والتباعد حيث وصلت في كثير من الأحيان إلى درجة ليس فقط الاكتفاء بمشاهدة ما تعانيه بعض الدول من أزمات ومشكلات وعدم المبادرة في حلها إنما الشماتة أو المشاركة في خلق هذه الأزمات أو تعقيدها إن كانت موجودة.
ورغم تلك الحالة غير السوية التي تسود الدول العربية في المرحلة الراهنة، إلا أننا وللغرابة الشديدة نجد أن الجميع يلقي اللوم والعتاب على «الخارج» باعتباره ذلك «المارد» الذي لا يقهر والذي يريد أن يفتت العرب ويقسمهم لإضعافهم ونهب ثرواتهم للدرجة التي اضحى فيها هذا الخطر وهو خطر التقسيم الذريعة التي ترفع لتبرير تجاوزات كثيرة وهو الدافع لانتهاج سياسات خطيرة من قبل الدول العربية نفسها.
الكثيرون يرون في التقسيم «مؤامرة» خارجية جديدة بعد مؤامرات كثيرة نجحت في زرع بؤر للتوتر والصراعات المستمرة في المنطقة العربية يقوم هذا الخارج بإشعالها وقتما يشاء وإخمادها عندما يريد وكأن الدول العربية لا إرادة لها.
صحيح أن الخارج يريد إضعاف العرب ويسعى لذلك بكل السبل، ولكن الأصح أننا العرب مدركون لذلك وملمون بالحيل والأساليب التي يتبعها هذا الخارج للوصول إلى أهدافه وتحقيق مآربه، فلماذا ينجح الخارج بينما يفشل العرب؟ أو لماذا لا نقاوم ونتصدى لمحاولات التفتيت والتقسيم، بل لماذا يفرح ويسعد البعض بهذه المحاولات ويساهم في إنجاحها؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون محلاً للبحث والدراسة والنقاش.
فإذا كان تقسيم العرب هو بمثابة إنقاذ لدول مثل اميركا كما يرى ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في ظل الأزمات المتفاقمة التي خلفتها السياسات الأميركية في العراق وسوريا وغيرها من الدول، وإذا كان هذا التقسيم قد تحول لهدف إسرائيلي وخطة عمل يحاول الكيان الصهيوني تنفيذها بالتعاون مع الحليف الأميركي وتنصب على احتلال العراق وتكريس السيطرة المتحالفة مع إيران على أهل العراق لاعتقاد إسرائيل بأن «التطرف الشيعي» أقل خطرا على أمن ومصالح واشنطن وتل أبيب من «التطرف السني»، فما الذي يجعلنا نساعد في إنجاح هذه المساعي والجهود؟ ولماذا ننتظر حتى اللحظات الأخيرة أو ربما بعد فوات الأوان لكي نبدأ في التحذير والتحرك والمواجهة؟
ليس الغريب أن يحاول الخارج تقسيم العرب، وليس من المجهول الأدوات والآليات التي ينتجها الخارج في محاولاته السابقة والحالية واللاحقة للتقسيم، فالطبيعي أن الدول تحاول إضعاف بعضها البعض خصوصا إذا تمايزت في الأهداف وتفاوتت في الإمكانيات وتباينت في الثروات واختلفت في المعتقدات كما هو حال وضعنا نحن العرب في تعاملاتنا وعلاقاتنا مع الخارج، ولكن من غير الطبيعي أن ينجح الخارج في كل مرة في الوصول لأهدافه في تقسيم العرب وعلى ذات الأسس الجغرافية والدينية والعرقية باعتبارها اسسا دائمة وحقيقية لإدامة التوتر والخلاف بين الدول العربية.
خلاصة القول، قبل أن ننشغل بالمؤامرة ونتهم الغير بالتآمر ضدنا والعمل ضد مصالحنا وقبل أن نطلق الانتقادات ونشن الحملات ضد الخارج المتربص بنا والمتحالف مع غيرنا علينا أن نبحث في أنفسنا أولاً للتعرف على نقاط الضعف وتحديد الثغرات التي تمثل لهذا الخارج محاور اختراق لنا وسهاما لتقسيم أرضنا وشعوبنا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .