العدد 2134
الإثنين 18 أغسطس 2014
العدالة: مانعة الأوهام... صائدة الأحلام غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 18 أغسطس 2014

لا تعود “المغامرة القطرية” إلى السنوات القليلة الماضية، ليست مرتبطة حتماً بما حدث في يونيو 1995، عندما أخذ الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مكان أبيه وأقصاه، وإنْ زادت وتيرة هذه المغامرة وإيقاعها؛ ولكنها – لمن يتتبع – تبدو أبعد من هذا التاريخ. فهناك عوامل بعضها حقيقي وبعضها ربما متوهَّم يقود الميكانيزمات القطرية لأن تحاول جاهدة أن تجد لها دوراً مهماً، أو ربما أكثر أهمية لتؤديه في منطقة الخليج العربي، بل وما بعد الحدود الإقليمية التي نشأت فيها.
ورغم الكثير من العوامل التي تربط القطريين بدول الخليج العربية، وهي العوامل والوشائج التي سيبدو من مضيعة الوقت التغني بها والاسترسال فيها، إلا أن هناك شيئا أقرب ما يكون من “عقدة” التفرد والتميز التي تحاول إظفاءها عبر الكثير من المغامرات والتحالفات والأفعال التي انتهجتها السياسة الرسمية، وليس آخرها وأحدثها عملية تجنيس بعض الأسر البحرينية فيها، بشكل جماعي، وربما يكون “مستفزاً” للدولة الحاضنة (البحرين)، وبصورة غير طبيعية، أي ليس على غرار تقديم طلبات فردية، بل أسر وعائلات بأكملها، وبشكل منتقى له ما لا يخفى من الدلالات، في محاولة لرسم صورة عن هذا البلد.
وفي غياب الأرقام، وكثرة الأحاديث التي تنحو أحياناً للتهويل أو التهوين من شأن هذا التوجه، إلا أنه يبدو من الجدية بما جعله واحداً من شروط عودة قطر إلى حضنها الأم الذي لا يمكنها أن تنأى عنه طويلاً ولو كثر مالها، وشعرت من خلاله بالمنعة الوقتية. فلولا هذه الجدية وربما الخطورة التي قد تتسبب فيها هذه “المغامرة”، ولولا ما لدى الجهات الرسمية من أرقام وإحصاءات وتوجهات لعدد من الأسر البحرينية المتجذرة في هذه التربة، لما تحركت الملفات.
أما وقد تعهدت قطر، بحسب ما نشرته الصحف المحلية يوم السبت الماضي، من توصل الدول الخليجية إلى اتفاق مع الدوحة بتعهد الأخيرة بالوقف الفوري لتجنيس الخليجيين، والبحرينيين منهم، وإعادة من تم تجنيسهم فوراً وتصحيح أوضاعهم القانونية، فربما يمكن اعتبار أن هذا الملف أغلق وانتهى الحديث فيه، وهذا أمل البعض، وخيبة أمل البعض الآخر، ولكل وجهة نظر، ولكن هناك بعض الأمور التي لابد من نقاشها.
فأول ما يمكن الحديث عنه هو ألا يضار أي شخص، أو أسرة أو عائلة، سبق لها أن نالت الجنسية القطرية، ولو لبضعة أشهر. فغالباً ما يقع الأفراد ضحايا الألعاب السياسية، بل وربما في شؤون أقل ضراوة من السياسة. ويعرف المخططون والمنفّذون الدهاة من أين يدخلون إلى الأفراد، وكيف يدغدغون عواطفهم، ويستثمرون أوضاعهم المعيشية أو السياسية، ويعزفون على الأوتار التي تصدر نغمات يتحسسها أصحاب الشأن. ولا يلام المرء فيما إذا فكّر ملياً بمعيشته، ومستقبله، ومستقبل أبنائه، وهام بأحلامه يرسم سيناريوهات اليوم والغد وما بعدهما للكيفية التي يمكن أن يغدو عليها فيما لو اكتسب جنسية بلد آخر، وحظي بالوظيفة الراقية، والدخل الذي يعتبر في قطر أعلى دخول العالم، في بلد تزداد فيه الفرص لمن أراد اقتناصها، ويرى نفسه وأهله بعد سنوات كيف سيصبح، وأين سيكون، وكل ذلك مشفوعاً – ولا شك – بالوعود من قبل مطلقيها، وبـ “الباكيجات” التي سيتحصلون عليها فيما لو غيّروا أوراقهم الرسمية. وفي نهاية المطاف، قد يرى البعض أنه لم يرتكب أي شيء يدعو للخزي والعار، فإن الانتماء إلى أيٍّ من دول مجلس التعاون هو أمر مشروع، فـ “خليجنا واحد”، أي أنه لم يذهب لدولة عدو، أو بيننا وبينها ما صنع الحداد. وبطبيعة الحال، فإن الأسر الخليجية تمتد بشكل طبيعي في أغلب دول المنطقة، فمن منا ليست له قرابات في هذا البلد أو ذاك؟ ثم أليس هناك على مستوى العالم من مشكلة حقيقية في تدفق المهاجرين غير الشرعيين بحثاً عن فرص حياة أفضل؟ أليسوا يواجهون الموت والاستغلال والسجن والإبعاد والإذلال والمطاردة؟ إذاً في المسألة القطرية الكثير من السعة، فليس هو تدفق غير شرعي، وأساسه قائم على ترغيب من الدولة المانحة وليس تسللاً تحت جناح الليل! فإن عاد الأهل بحسب الاتفاق الجديد، فقد عادوا من بعد رحلة أو إجازة أو جولة سياحية ليس أكثر.
أما ما يجب التفكير فيه ملياً هو: لماذا يهجر المرء وطنه إلى غيره من الأوطان؟ سيظل الجانب المادي أمراً لا جدال فيه، ولا يمكن أن يلام المرء إن لم يفكر في الهجرة على أساسه، فهو أحد المغانم التي يهاجر إليها البشر، ولكن ما رشح من أقوال بعض الذين اختاروا الاستجابة للنداء الآتي من صوب الدوحة أن الأمر أكثر تعقيداً من مجرد أموال يصيبونها. إذ إن لدى البعض منهم ما يحزن منه، ويغضب ويتضايق، وهذه من الأسباب التي وجد هذا البعض أن من الأفضل له أن يرحل، ربما بشكل احتجاجي، وصارخ، حتى يتمكن من إسماع صوته، وتوصيل رسالة بطريقة “كاتم الصوت” الذي لا يحدث ضجيجاً عالياً ولكنه يترك الأثر المرجو.
يعود بنا الحديث مجدداً عن أهمية أن تعالج البحرين ملفاتها، الساخنة منها والباردة، على درجة عالية من الكفاءة والإنجاز، وبجدولة زمنية واضحة المعالم، وبحلول واقعية أساسها كل مظاهر ومفاعيل العدل على الأرض، وبسط كل ما يجعل المواطنين درجة أولى بشكل واضح، وتوزيع النظرات والانتباه بالتساوي بين الأبناء، وإيلاء الاهتمام للجميع، وهي من المسائل البالغة الصعوبة، والتي تحتاج إلى الكثير من اليقظة والتنبه والمراجعة، والاستماع بآذان مرهفة، وقلوب مفتوحة، حتى لا تتمكن أية جهة، أياً كانت أن تلوِّح بالعطايا، أو تتلاعب بالأوهام، أو تدغدغ الأحلام، وحتى تتجه الأنظار إلى الأمام، بدلاً من أن تشكو بلادنا “آه من ظهري... آه من بطني”!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .