العدد 2130
الخميس 14 أغسطس 2014
البحرين الأصيلة... متى؟ غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 14 أغسطس 2014

حتى هذه الأيام، وقبلها بأيام، انطلقت فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي السادس والثلاثين، والذي ينعقد في مدينة أصيلة الواقعة على أطراف طنجة المغربية، وما يميز هذا العام أن مملكة البحرين تحل ضيفاً على هذا المهرجان الدولي، إذ قدّمت البحرين فيه الكثير مما يميزها من موسيقى شعبية وعالمية، وكتب بحرينية، وإن لم تكن كل كتب البحرين، وجوانب من أعمال فنانين تشكيليين وضعوا بصمات واضحة على مسيرة الفن التشكيلي الرائد على المستوى الخليجي، إضافة إلى مشاركات متعددة في الندوات التي أقيمت في هذا الموسم الصيفي السنوي الذي ينعش مدينة أصيلة ويجعلها محج الكثير من المثقفين والفنانين الذي يعشقون العيش في فردوسهم الفني بلقاء أقرانهم، وقربهم من منابع الإبداع، والاحتكاك الفني والعلمي، وكذلك التقاء الكثير من المثقفين والإعلاميين العرب الذين لهم علامات مهمة في مجالاتهم المختلفة.
وإذا كان عدد من البحرينيين يشاركون في مواسم أصيلة على مر الزمن الماضي فردياً، فإن البحرين تعرفت على أصيلة بشكل قريب عندما أقيمت فعاليات مشتركة بين البحرين والمغرب تحت مظلة أصيلة وقطاع الثقافة (آنذاك) في العام 2004. وإذا كان الكلام يذهب والأفعال تبقى – كما يقول المثل الإيطالي – فإن بعض الجداريات التي أبدعها الفنانون من البلدين ظل بعضها صامداً، وبعضها طواه الزمن وطالته يد التغيير.. إلا أن المصافحة الأولى كانت جديرة بإثارة شيء من “التقليد” المفيد الذي تلتقي فيه تشكيلة من الفن والفكر والتراث والموسيقى والأدب والطباعة وغيرها، بما يجعل البلد الذي تُعرف عنه هذه التظاهرة يظل مصدر إشعاع إقليمي وأبعد من ذلك أيضاً، ويحجز له المهتمون جانباً من برنامجهم السنوي، ويترقبه أهل البلاد، خصوصاً إن كان لهم تفاعل في المشاركة المباشرة، أو من خلال الأمور اللوجستية التي تضفي إليهم مصدراً من الدخل في عدة نواح، وتتحرك به الأسواق، وتنتعش فيه ومعه وله الصناعات التراثية، ويجري فيها التجويد والتحسين لأن الذائقة تتسع وتتجاوز المحلي، لتتعاشق مع ما هو أكثر اتساعاً، وأوسع مدى، ويطلع المبدعون، والمجربون، ويتسابق أهل البلاد لتقديم أنفسهم إلى العالم الذي يأتيهم من كل حدب وصوب.
لقد استشعرت البحرين هذه الجدوى، فأسست لعدد من المواسم من أهمها “صيف البحرين” و”ربيع الثقافة” اللذان يخوضان اليوم أعوامهما العشرة الأولى، ولاشك أنهما – بشكل أو بآخر – حفرا طرائق لهما ودروباً في الذاكرة المحلية، وربما أيضاً في ما هو خارج الوطن، حيث يتقرب الكثير من الناس لما يمكن أن يصدر من هذين الموسمين.
وإذا كان الموسمان المشار إليهما سابقاً يعنيان بالفنون الاستعراضية والغنائية وشيء من التشكيل، وبعض الورش، فلا شك أن اتساع هذه المواسم وتكرارها لها من الأثر الكبير على السمعة الطيبة للبحرين. فأصيلة المغربية تشهد انتعاشاً فترة الموسم الذي يستمر حوالي أسبوعين، ولكنها – كما يقول أهلوها – تكون مقفرة في الشتاء، لا أحد يزورها أو يلتفت إليها. وإذا كان اتساع الحجم لأي بلد له من السلبيات والإيجابيات، فإن صغر الحجم له أيضاً حظٌ من هذين النقيضين. فإذا ما كثرت المواسم في البحرين فإنها لا تعني منطقة دون أخرى، ولا مدينة بعينها، ولا محافظة بذاتها، فإن صغر حجم البحرين يؤهلها لأن تستفيد من أية فعالية تقوم بها على المستوى الما وراء المحلي، لأن جميع المناطق الأخرى ما هي إلا نوافذ وأبواب تطل عليها، تستقبل زوارها، وتستضيء بما يجري في أية بقعة من بقاع هذا الوطن الصغير.
إن تكرار تجربة أصيلة، وغيرها من التجارب العربية والعالمية ليس بالشيء السهل، إذ يُفترض أن يقوم على التعالي على الذات، ونبذ الأنوَّية، ونبذ كل ما من شأنه أن يعيق المشاركة البحرينية العامة والشاملة والعادلة في جميع النشاطات لتعرب عن نفسها، تري الآخرين ما تزخر بهذه الجزائر من تنوع مذهل من أهلها الذين يكتنزون العلم والفن والمعارف والآراء المختلفة، البحرين ليست وجهاً، بل وجوه متعددة ومتتالية ومتنوعة ومختلفة ومتناقضة في كل فروع ما يمكن أن يشكل صورتها الرئيسة. ويحتاج إلى إيمان الدولة بأهمية أن تجري الكثير من النقاشات والحوارات في القضايا المختلفة على أرضها، من قبل أهل الرأي المحليين أولاً بشراكة عربية وعالمية، وأن تتشابك الفنون التشكيلية بمدارسها ورؤاها على امتداد موسمها المحلي، بالمشاركة البحرينية الواسعة جداً أولاً، وتطعم بالمشاركات الإقليمية والعربية والعالمية، وأن يكون للمسرح مكان، إذ ربما يرى البعض أن المسرح البحريني في طريقه إلى الأفول، ولا تستضيف خشباته إلا المسرحيات التجارية الفكاهية أيام الأعياد القليلة في السنة، بينما كانت في فترة مضت قبل أربعين عاماً منارة للمسرح في المنطقة بأسرها، فيكون في هذا الموسم المسرح البحريني أولاً، ويُسند بمسرحيات متنوعة من خارج الحدود. وأن يكون للكتاب البحريني، مكان بارز في هذا الموسم، للعرض والنقاش والتعقيب والتوقيع والترويج بصرف النظر عن الجهة المصدرة للكتاب. وأن يكون للسينما بأفلامها الطويلة والقصيرة مكان، وأن يُدعم الإنتاج السينمائي البحريني بما يجعله يتنفس، وبأسلوب ومحاسبة دقيقة حريصة على الجودة وليس مجرد الاحتفاء بـ “صنع في البحرين” إن لم يكن هذا الإنتاج يرقى لما يشرّف، وحتى يؤخذ الدعم مأخذ الجد، وحتى الصناعات الحرفية عليها أن تجاوز حدودها وشروطها لتغدو متوافقة مع شروط الإنتاج العالمية وبما لا يفقدها لمستها المحلية ونكهتها الخاصة.
إنّ الدول إذا ما أرادت أن تستثمر في الثقافة، قدّمت ما لديها أولاً، وحسّنته وطورته، وخرجت به من المحلي إلى العالمي بنكهته هو لكي تعرب عن نفسها، وتكسب ود وتعاطف ومساندة الشعوب والجهات الأخرى بما لديها من مناطق قوة تعرضها وتفخر بها على شكل شرائح واسعة جداً، بالغة التنوع، حينها تعطي الثقافة ثمارها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية