شخصياً، لا أزال أعارض “السيد لا” أو Mr. No، وهي الشخصية التي لا تناقش، وإنما تبدأ وتبادر برفض أي قرار جديد، أو توجه، أو حتى تجربة جديدة، فهذا النوع من الأشخاص يعمل على نشر الإحباط في ما حوله، ويحيل الواقع – بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات وما بينهما – إلى مجرد حقل خرب تلعب الريح في أعشابه الجافة، وتجرّ فيه الثعابين والزواحف الكريهة. فكل شيء لدى هذا السيد، سيء، ومعوج، وغير لائق. هذا النوع من الناس يبني سيطرته على “المعارضة”، ولكن الناس فيما بعد ينفضّون عنه لأنهم لا يتحملون كل هذا الكم من السوداوية والحياة الكالحة التي يقدمها لهم، إذ لا يرى فيها أي شيء جميل.
حسنا، لا أطمح أن أكون “السيد لا”، ولكن ما أوردته الصحافة في الأسبوع الماضي من مسألة الصلاحيات التي مُنحت لأهالي المحرق، وللدقة، بعض الأهالي، لإحباط نشاط المخربين، يستدعي قليلاً من التبصّر. ذلك لأن هناك عريضة، لا أدري مدى جديتها، قد سارت بها برامج البريد الإلكتروني والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، تقول أنها موجهة إلى البحرينيين وأيضاً إلى أهل الخليج من أكاديميين ومثقفين وصحافيين، لاستنكار تشكيل “ميليشيا شعبية لمواجهة ما يسمى بـ “المخرّبين”، ونحسب أنه توجّه خطير لا يصب في صالح أمن واستقرار الشعب البحريني الشقيق”، بحسب ما انتشر.
لا أنكر مدى ما أثارني هذا الخبر، خصوصاً وأن بعض الصحف أخذته في حجمه الطبيعي، وبعضها وضعته خبراً رئيسياً على صفحتها الأولى، الأمر الذي أثار الكثير من الهواجس، وأعاد إلى الأذهان أيام “السلامة الوطنية” لا أعادها الله، ولا أعاد أسبابها ومسبباتها، حيث انتشرت في بعض المناطق ما أسمي بـ “اللجان الشعبية”. فإذا كان من في “الدّوار” قد استنسخوا بعضاً مما حدث في ميدان التحرير المصري، فإن “اللجان الشعبية” كان استنساخاً آخر أيضاً. هذه اللجان التي دافع عنها البعض على اعتبار أنها إرادة شعبية وحسّ وطني عال، كانت أيضاً معرّضة للانتقادات ذاتها التي أخذت على الطرف الآخر، إذ أنها استخدمت أطفالاً دون السن القانونية، ومن دون تدريب على التعاطي مع ما يمكن أن يستجد، فكانت ردة فعل، ولكن الله سلّم بأنها لم تستمر، ولم تسفر عن شيء يمكن أن يكون أخطر من مجرد وقوفها عند بعض المفارق في مناطق معينة، حاملين هراوات ويدققون في الهويات لفترة بسيطة.
البيان (العريضة) التي انتشرت نقلت الأمر من نطاقه، ونطاقه هو البلديات والحدائق العامة التي تتعرض للتخريب من قبل مستهترين، وهم غالباً ما يكونون مراهقين وعبثيين، وهذا العبث والتخريب يكلف البلديات الكثير من الأموال لإعادة الإصلاح مرة تلو المرة، ويبدو أن الأمر مغر لهؤلاء الصبية الذين يدخلون في سباق سيكون أكثر محمومية في الأيام المقبلة بعد الانتهاء من الامتحانات والدخول في عطلة صيفية طويلة. فإذا كانوا يتسلون أحياناً بالتخريب، فسيكون التخريب تسليتهم في الصيف. وإن كان الظن أن بعض التصرفات قد اضمحلت من المجتمع البحريني، من مثل تخريب المنشئات العامة لأن الناس بشكل عام باتوا أكثر نضجاً، وأن هناك ما يلهيهم عن عمليات التلذذ بالتخريب والتكسير العبثي، فإن انتشار هذه الحالات التي استدعت تكوين “ميليشيات شعبية” بحسب البيان، أو أعضاء “ظل” في بلدية المحرق، أو “أصدقاء العضو البلدي” كما ورد في بيان كتلة المستقلين في بلدية المحرق، يبدو أنها أكبر من حالات فردية ومنعزلة.
البيان الذي تم توزيعه طار – على ما يبدو – بكلمة “مخربين” التي استخدمتها وسائل الإعلام الرسمية بكثافة في الآونة الأخيرة، وألبسها لباس المعارضين السياسيين الذين يقومون بشكل عام بأعمال احتجاج (ليس هنا مقام تفصيلها والحكم عليها)، وتوصف عادة بعدة صفات منها “الإرهابية” و”الغوغائية” و”التخريب”، وعمم الأمر من مراقبة هؤلاء الأشخاص الذين أعطوا صلاحية المراقبة من مراقبة الحدائق العامة والمنشئات التي جرى تخريبها بسبب “سلوك أفراد غير مسؤولين”!
إن موضوع أصدقاء البلدية، وأصدقاء الشرطة وبعض التجارب في الأحياء في عدد من البلدان المتقدمة خصوصاً، ليست من الأمور المستغربة، ولكنها دائماً محتاجة إلى التقنين ومعرفة الحدود القانونية التي يقوم بها هؤلاء الحريصين على مناطقهم السكنية، ورغبتهم في أن تكون آمنة وخالية من أي مظاهر للفوضى. لأن موضوع تمكين أو تخويل الممنوحين للبطاقات في المحرق حديثاً “لتوقيف المشتبه بهم إلى حين وصول الشرطة” كما نشرت الصحف، من شأنه أن يعرّض سلامة الطرفين للخطر، وربما يقود إلى التعسف أحياناً، وإساءة التقدير، والتعرض إلى ما لا تحمد عقباه إن أصاب المشتبه الهلع وحاول الفرار أو التخلص من هذا الموقف، حينها لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحصل أو يعمل للنجاة بنفسه من هذا الموقف.
الخبر الذي نشر لا يُعرف منه من هم الذين أعطوا هذه الصفة الجديدة، هل هم مدرّبون على التوقيف؟ هل يعلمون حقوقهم وحقوق غيرهم عند ضبطهم وتوقيفهم؟ هل يقتصر الأمر على التعرف على ملامح المخربين أو الإدلاء بالأقوال والصفات في حينها، أو التقاط صور لهم؟ أم القبض عليهم وشلّ حركتهم أو حصرهم في مكان ما؟ أم المسارعة فقط بالاتصال بالشرطة والتبليغ؟ كل هذه الاحتمالات غير المبيّنة في الخبر المنشور يمكن أن تكون متاحة لأصدقاء العضو البلدي، وربما هناك مبالغة في الأمر، ولكن ما لم يجر توضيح الصلاحيات والأدوار، خصوصاً وأننا نتحدث عن التجربة الأولى وغير المسبوقة بحرينياً، ومن هنا تأتي أهمية نجاح التجربة بتأطيرها وتحديدها بقدر الإمكان إن كان هناك توجه لتعميمها على المحافظات مستقبلاً فليست المحرق وحدها التي تعاني حدائقها من العبث والتخريب... والحريصون كثر، ولكن الأهم حمايتهم عند تأدية هذا الدور الذاهب عميقاً في الإحساس بمعاني الوطنية من دون طنطنات و”هيلمان”.