العدد 1687
الثلاثاء 28 مايو 2013
العراق وشبهة الأقاليم والتجزئة د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الثلاثاء 28 مايو 2013

حديث الأقاليم فرض نفسه على مجالس العراقيين وأحاديثهم السياسية، وأصبح شغلهم الشاغل وزاد ألسنتهم، شبهة الأقاليم فتنة قديمة حديثة، فالعراقيون في منتصف القرن الماضي، كانوا أكثر الشعوب العربية اندفاعا نحو لم شمل الصف العربي والدعوة إلى الوحدة العربية لا التجزئة والتقسيم، وكانت الدعوة إلى الوحدة العربية تتصدر قائمة أهداف الأحزاب والتجمعات، وفي حقبة الحكم الملكي كان السياسي العراقي البارز نوري السعيد رئيس الوزراء، يطمح  بوحدة تجمع العراق وسوريا والأردن والكويت، وقبض عليه بعد ثورة تموز وقتل بأحذية العراقيين، لاتهامه بالتبعية للاستعمار البريطاني وكشفت الأيام انه السياسي الوطني والمخلص الساعي لخدمة العراق والعرب، ولكنها لعبة السياسة التي طالما ظلمت المخلصين، وضللت شعوبا وأمما.
وحاول السعيد تحريك الجيش العراقي لضم سوريا إلى العراق بالقوة، وحاور البريطانيين كما تكشف الوثائق على انضمام الكويت إلى العراق منذ أن كانت تحت الانتداب البريطاني، وضغط بكل ثقله ليقنع الكويتيين وآل الصباح بعد الاستقلال بالانضمام إلى الاتحاد العربي الهاشمي الذي جمع العراق والأردن عام 1957 والغي بثورة تموز، وقمع تمرد الأكراد في شمال العراق وحفظ للعراق وحدته، وأضطر الملا مصطفى والد مسعود البرزاني للهرب إلى الاتحاد السوفيتي.
وكان ملك العراق  فيصل الأول ملكا لسوريا وخلعه الفرنسيون واسقطوا ثورته بالقوة، ونصب ملكا على العراق بتوافق العراقيين، ومات وفي نفسه أن يكون ملكا لسوريا والعراق، كما مات ابنه غازي وفي نفسه أن يرى اتحاد الكويت والعراق قبل ظهور النفط. فالوحدة مع أي قطر عربي كانت هاجس العراقي، وجاء انضمام العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا ومصر تحت قيادة عبد الناصر على رأس أهداف ثورة تموز1958 التي أطاحت بالملكية. وأذكر ونحن شباب كنا نتهم الحكام بالتخاذل وإيثار مصالحهم الذاتية على مصالح أمتهم ونرميهم بالخيانة، ونرى الوحدة هي الهدف الأسمى، والحلم الأجمل الذي كان يداعب آمالنا وتطلعاتنا.
اليوم تبدل الحال صار حديث الوحدة والاتحاد ذا شجون ورهانا مات، ولاسيما بعد الاحتلال وكتابة الدستور الذي أهمل النص على هوية العراق العربية وشرع للتجزئة بالأقاليم والفدرالية، وكان العرب السنة اشد الرافضين لفكرة تقسيم العراق إلى أقاليم، ورأى الإسلاميون في الأقاليم والفدرالية التي ينشدها الأكراد ويحبذها الشيعة العرب وكفلها دستور بريمر شبهة ترقى إلى مستوى الخيانة لأنها تمهد لتجزئة العراق بعد أن قسمت البلاد العربية، وحرمها علماؤهم تحريما قاطعا وأفتوا بذلك، ومرت الأيام فإذا بفريق من العرب والإسلاميين السنيين يدعون إلى الفدرالية ويرفعون شعارها مطلبا. مبررين دعواهم بما أصابهم من تهميش وإقصاء وابتلاء بمداهمات الشرطة الاتحادية وقوات الجيش وفرقة سوات الموسومة بالقذارة تعتقل أبناءهم ونساءهم ويتعرضون لشتى أنواع التعذيب والاغتصاب والتنكيل والسرقة، وعادوا إلى دستور بريمر المستهجن يطالبون بإقليم خاص بهم يحفظ المصالح، بذريعة التخلص من ظلم مجحف ألحقته بهم الحكومة المركزية، المحزن  كنا لا نرضى بتقسيم الدول العربية، ولا بالحدود القائمة بينها، وصرنا نرضى بتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ.
لست مع دعوى الأقلمة ولا ضدها من حيث المبدأ، ولكن ما يخشى هو عواقب هذه الدعوة وخشية أن تكون سايكس بيكو ثانية، والقاعدة الشرعية تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأول هذه المفاسد شق وحدة الصف التي بدأت بوادرها تطفو على السطح بين المعتصمين بالمحافظات. ونرى الاختلاف بشأن الإقليم وغيره سنة بين البشر والمجتهدين، وكل ما ندعو إليه ألا يتحول الاختلاف إلى جدل وخلاف وقطيعة ومدعاة للتخوين والقذف وتبادل التهم كما يلوح بالأفق، والمغرضون الصفويون يترصدون الفرص للإيقاع بهم، وحينها تكون الطامة، وبعد ما كنا بمصيبة أصبحنا باثنتين.
ولاشك أن سياسة المحتل الأمريكي خططت لهذا المآل، وأصبحت التجزئة  أقرب إلى الواقع بفعل التدخل الإيراني ذي النزعة الصفوية المقيتة، وخضوع الحكومة العراقية للنفوذ الفارسي حتى أصبح العراق بمثابة محافظة إيرانية وحكامه إمعة بأيدي الملالي، والخوف من المستقبل المجهول، فأحلام الفرس باستعادة إمبراطوريتهم في هلال شيعي تكشفت وسقطت عنها الأقنعة، وبعد أن كانوا يتمنون للعرب السنة تكوين إقليم أصبحوا يرفضون اليوم لضمان أن يكون الامتداد الإيراني العراقي السوري اللبناني على الأرض واحدا،  وبدأت المليشيات الموالية لإيران تضطهد الناس على عروبتهم وعقيدتهم، وغاب شعار “إخوان سنة وشيعة” وعاد القتل والاغتيال والتهجير، وقد انتشر 20 ألف جندي حكومي  حول محافظة الأنبار وأراها  خطة تعد في الظلام  للانتقام من المعتصمين وارتكاب مذبحة بعشرات الآلاف لتكتم كل الأصوات وتخنق، وبعدها لو خلص الحكم للفرس المجوس وحققوا أحلامهم، لن يرحموا الشيعة العرب ولن يعتقوهم لأنهم الامتداد لعرب الأهواز المعارضين، وسيؤكلون كما أكلوا إخوانهم السنة، ولن يجدوا حينها لهم ظهيرا * وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ * الشعراء227.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .