العدد 5617
الجمعة 01 مارس 2024
banner
احمد عبدالله الحسين
احمد عبدالله الحسين
خربشة ومغزى.. "الصين.. ستتزعم العالم في نعيم الحياة وفنها"
الأحد 03 ديسمبر 2023

عنوان المقال مُقتبس من ويل ديورانت مؤرخ وفيلسوف أمريكي تُوُفّي عام 1981م، ذكر ذلك في كتابه قصة الحضارة؛ الصين ستتزعم العالم في نعيم الحياة وفنها كما تزعمته مراراً في الزمن القديم في التنعم في فنون الحياة. وجهة نظر وتنَبُّؤ له اعتبار لمُتخصص، إنما الغيب في سياقاته المستقبلية علمهُ عند الله في حتمية الصيرورة. المعلوم أن الصين ضاربة في جذورها اعماق التاريخ، بل وانجبت حضارة في الشرق الأقصى تضاهي الحضارتين اليونانية والرومانية القديمة، وقد أستمتعت الصين عبر قرون طويلة بعزلة فريدة أغدقت عليها بظروف ملائمة من التواصل الحضاري والتميز الثقافي، حيث كان يكتنفها اكبر المحيطات وَشُمّ الجبال وصحراء أوسع من أوسع صحارى العالم. وبفضل وحدة سكان الصين ونظامها الاقطاعي، ثم الإمبراطوري الذي اصبح عاملاً مهماً في وحدة ثقافتها ونظامها وعاداتها عبر القرون والذي استمر حوالي ألفي سنة؛ انتج ثقافة وحضارة غنية تميزت في العالم. 

 

أحاط الأباطرة 
الصين بسياجات حديدية فولاذية، وفي ظل الانفصام عن العالم الخارجي وداخل الأسوار الحديدية سيطرت روح العلم والعقل والفلسفة على الصينيين وانخرطوا في الإبداع الفني والثقافي وأنتجوا أَخْلَد الاثار. 
 

تسمى الصين 
جنة المؤرخين ذلك لانها ظلت مئات والآفاً من السنين وفيها تاريخ متصل ومتواصل لا ينقطع من الجد الى الحفيد والتاريخ عندهم هو الحبل السري الذي يربط بين أبناء الأمة الصينية. 
 

حافظت الصين 

على بكارتها التاريخية والثقافية والفلسفية دون المساس بتقاليدها وعاداتها وأخلاقها لعدة قرون خلت. ففي الصين نجد اقدم فيلسوف في العالم هو الفيلسوف الصيني لاوتسي ولد عام 600 ق.م، والذي فرق بين الطبيعة والحضارة كما يفعل روسو (فيلسوف فرنسي تُوُفّي 1778م) من بعدة بعشرين قرناً او يزيد. وحكيم الصين وفيلسوفها كونفوشيوس يتحدث عن الانسان الأعلى قبل ان يجئ نيتشه(فيلسوف ألماني تُوُفّي 1900م) بنظريته السوبرمان بما يقارب من خمسة وعشرين قرناً.
 

تشعبت الحضارة الصينية 

باتساع الجغرافيا التي نمت فيها وازدهرت، وأفاءت على الدنيا فيضاً متصلاً من الابتكارات المدهشة التي أذهلت العالم منذ ما يربو على الف عام. ففي القرنين الاول والثاني للميلاد شهدت أسرة هان في الصين صناعة الورق بينما أوربا لم تعرف هذه الصناعة الا في القرن الثالث عشر. 

 

واستطاع الصيني 

بيه شينغ اختراع الطباعة المتحركة في الفترة 1041-1048م، والتي حذا حذوها المخترع الألماني جوتنبرج واخترع الطباعة بالاحرف المتحركة في عام 1440م حتى عرفت أوربا انذاك طباعة الكتب بمرور اكثر من سبعمائة سنه على الاختراع الصيني. واشارت السجلات التاريخية الصينية الى البوصلة المغناطيسية في الصين للمرة الاولى في القرن الرابع قبل الميلاد، وأخذتها أوربا عن الصين حيث ذكرتها الكتب الأوربية للمرة الاولى عام 1190م. وفي نحو عام 850م 

في الفترة المتأخرة من أسرة تانغ اخترعت الصين البارود، وذلك عند اضطلاع الخيميائيين بالبحث عن إكسير الحياة المانح للخلود بينما تشير النصوص الأوربية الى البارود للمرة الاولى عام 1285م. استطاع الصينيون كذلك انتاج حديد الزهر في القرن الرابع قبل الميلاد بينما أنتجت أوربا الحديد في نهاية القرن الثالث عشر. يقول الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون في كتابه(Novum Organum)الصادر عام 1620م؛ ان الاختراعات الصينية قدمت فرصة سانحة لأوربا مكنتها من الانتقال بسرعة من العصور الوسطى الى العصور الحديثة. وهكذا شعلة المعرفة تنتقل من قوم الى قوم بالاقتباس والنقل، وهذا تم عند العرب المسلمون فاقتبسوا ونقلوا الى غيرهم بما في ذلك أوربا. فالإنسان اجتماعي تعاوني.

 

الصين بقيت قوة بحرية 

في العالم ويذكر الفضل فيها للملاح الصيني المسلم الأشهر شينغ خه تُوُفّي عام 1435م الذي وُلِد في مقاطعة يونان بجنوب الصين واسمه الأصلي "ما" ويعني بالعربية محمد. اكتشف هذا الملاح العديد من الطرق البحرية في البحار والمحيطات قبل كولومبوس بأكثر من نصف قرن، كما قام بالعديد من الرحلات البحرية الى اكثر من ثلاثين دولة في البحر الشرقي والمحيط الهندي. وتوغلت رحلاته حتى وصلت البحر الأحمر وبلاد فارس، وكان أسطوله الجبار يتألف من 317 سفينة شراعية، وكان من بين السفن 62 سفينة ذات تسع سوار والتي كانت اكبر سفن تم صنعها في العالم آنذاك وبلغ طولها 135 مترا. اما السفن التي ابحر بها كولومبس عام 1492م الى الصين والهند والتي قادته خطأ الى امريكا، فلم تكن أطولها مجتمعة تتعدى 66 متراً وكان ممكن وضعها داخل سفينة واحدة من هذه السفن الصينية.

وهكذا استشرف ديورانت المؤرخ صاحب كتاب قصة الحضارة المستقبل قائلاً؛ واكبر الظن ان الصين ستنتج من الثروة ما لم تنتجه قارة من القارات حتى امريكا نفسها وان الصين ستتزعم العالم في نعيم الحياة وفنها كما تزعمته مرارا في الزمن القديم في التنعم في فنون الحياة.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .