+A
A-

"رامز ليفل الوحش": ضياع الفن في متاهات الإسفاف

بلغ الابتذال في بعض المنصات البرامجية العربية حداً من الجنون يتجاوز كل المعايير، ويأتي برنامج "رامز ليفل الوحش" كنموذج صارخ لهذا السقوط. إن الاستمرار في إنتاج هذه القوالب المبتذلة يؤكد أن الفن العربي بات يعيش حالة من الاغتراب والتخبط، بينما تصر بعض الفضائيات على الإقامة الجبرية في دهاليز الإسفاف، مكرسةً بذلك تراجعاً فكرياً وقيمياً غير مسبوق.

يُعد الابتذال العدو الأول للفن الحقيقي؛ فما يقدمه "رامز" يمثل تمزيقاً لكل قيم الإبداع الراقية، وإقحاماً لها في قوالب من التخلف الفني. وبدلاً من استنزاف ميزانيات ضخمة سنوياً على ديكورات وبريق زائف لبرامج هابطة، كان الأولى أن توجّه هذه الإمكانيات لمنع هذا التردي، والارتقاء بذائقة المشاهد بدلاً من تلويثها.

تظل الثقافة والفنون والإعلام من أسمى ثمار الحضارة الإنسانية، وأدوات فعالة في رقي المجتمعات. لكن يبدو أن الفنان رامز جلال —رغم كونه ممثلاً يمتلك الموهبة— يضرب بهذه الحقائق عرض الحائط، مصراً في كل موسم رمضاني على استبدال الرسالة الفنية الرصينة بحالة من التهريج والثرثرة التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

لقد ولى زمن تلك البرامج الهادفة التي كانت تقدم العلم والمعلومة للمشاهد، حين كانت العائلة تتحلق حول الشاشة لمتابعة برامج ثرية مثل "حروف"، و"بنك المعلومات"، والفوازير الراقية. والمشكلة التي تجثم فوق الصدور "كالجاثوم" هي استمرار هذا البرنامج (رامز) بالرغم من موجات الانتقاد اللاذعة والسخط الجماهيري الواسع.

يفترض في البرامج التلفزيونية أن تحمل في طياتها أسمى الأهداف الإنسانية، وأن تُبنى على أساس تنوير شخصية الفرد وتثقيفه، إذ يجب على القائمين على هذه الوسائل توجيهها بطريقة تنمي روح المشاهد. فالتلفزيون وسيلة اتصال جماهيرية واسعة، وهو بمثابة "الصديق والمعلم" الذي دخل كل بيت واحتل مكانة لا تضاهيها إلا مكانة الأسرة نفسها.

للأسف، مع مثل هذه البرامج، بات هناك نقص حاد في المضمون، وأصبح الشاشة منبراً "لبضائع" مستوردة غريبة عن قيمنا. إن تحقيق الأهداف الملقاة على عاتق التلفزيون كأداة اجتماعية وثقافية يخضع لشروط صارمة؛ فعرض البرامج الرديئة يؤدي إلى تفكيك نواة المجتمع (الأسرة)، وهذا التأثير شديد الوطأة على المشاهد بصورة عامة.

إن البرامج الترفيهية تتطلب مستوى رفيعاً من المعرفة والفهم لآليات هذا الفن من قِبل المعدين، ولكن يبدو أن "رامز جلال" وفريقه لم يدركوا هذه الحقيقة بعد