مستعرضا تحديات ومحفزات تنفيذ الاستراتيجية السياحية 2022 - 2026 في برنامج "عُمق"
الشعلة: دور حاسم للقطاع الخاص في التطوير والنهوض بالسياحة بالبحرين وعلى "الغرفة" استخدام نفوذها
-
الزخم والاهتمام المتزايد بالقطاع السياح الخليجي شيء إيجابي لمملكة البحرين
-
المملكة العربية السعودية قاطرة الزخم الكبير في المشروعات السياحية الضخمة
-
القطاع السياحي أكثر القطاعات تأهيلا لخلق مزيد من فرص العمل
-
الفيزا الخليجية الموحدة خطوة جيدة جدا ونتمنى أن تأتي العملة الموحدة قريبا
-
دول المجموعة الأوروبية كلها تستهدف مساهمة القطاع السياحي في الاقتصاد الوطني
-
ميزة المملكة تكمن في الإنسان البحريني وهو عنصر جذب ويجب استغلاله بالقطاع
استضاف برنامج "عُمق"، الذي يقدمه الزميل عادل العبدالله، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "البلاد" الإعلامية عبدالنبي الشعلة، إذ تم التطرق للاستراتيجية السياحية لدول الخليج وتأثيرها على مملكة البحرين، وما الذي يجب فعله في القطاع السياحي البحريني بناء على الاستراتيجية الوطنية للسياحة 2022 - 2026، وما التحديات التي تواجهها، والحلول التي تمتلكها المملكة لمواجهة هذه التحديات.
وفي هذا الصدد، أشار الشعلة للمقومات الهائلة التي تزخر بها البحرين، ودورها الريادي في القطاع السياحي، وأنها سباقة لمحيطها الإقليمي في هذا الشأن، لافتا إلى الدور الحاسم الذي يجب أن يلعبه القطاع الخاص في تنفيذ الاستراتيجية السياحية، خصوصا ما يمكن أن تلعبه غرفة تجارة وصناعة البحرين، مستخدمة "عضلاتها" ووسائل ضغطها ونفوذها في هذا الشأن، فإلى نص الحوار:
اليوم، أستاذ عبدالنبي الشعلة "أبو مشعل"، العالم كله في دورة اقتصادية كبرى وتغيرات على مستوى العالم، اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية، ونرى العالم يموج الآن، مقابل أن دول مجلس التعاون الخليجي أيضا تواجه نوعا من التحولات الكبرى على مستوياتها الفردية، وليس على مستوى كونها منظومة. كيف ترى تموضع الخليج في البعد السياحي كونه ركيزة أساسية من مداخيل دول مجلس التعاون، كيف تراه وكيف تقيمه؛ كونك مراقبا ورجلا كنت في الجسم الحكومي، وفي الوقت نفسه كونك الآن مستثمرا بالقطاع الخاص في هذا البعد؟
- نرى بكل وضوح هذا الزخم المتزايد الذي لم يسبق له مثيل بالنسبة للسياحة الخليجية، فيما يتعلق بالاهتمام بالقطاع السياحي، فالبحرين كانت رائدة، لكن الآن تغيرت الصورة تماما، وهو شيء إيجابي، إذ صار هناك أكثر من تسابق لتطوير هذا القطاع ودوره، فيما يتعلق بالدخل القومي لكل هذه الدول، لتأتي الآن المملكة العربية السعودية في مقدمة هذا الزخم الكبير عبر المشروعات الضخمة التي تقام، كالمناسبات والفعاليات التي تضم وتستقطب أعدادا متزايدة من السياح. هذا التحول الكبير الذي حصل بالانفتاح السياحي جاء نتيجة لإدراك المسؤولين - كما هو حاصل في كل المنطقة - لأهمية تنمية هذا القطاع ودوره في تعزيز الوضع الاقتصادي، وأيضا في التصدي لقضية البطالة وخلق فرص عمل؛ لأن هذا القطاع هو أكثر القطاعات تأهيلا لخلق مزيد من فرص العمل. الآن المشروعات الصناعية على سبيل المثال، ما عادت تخلق هذا العدد من فرص العمل، فقد أتت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وغيره؛ فتقلصت فرص العمل في القطاعات الأخرى وازدادت في القطاع السياحي.
ولذلك، ترى الصورة كلها تغيرت، فالدول التي كانت متحفظة نوعا ما مثل الشقيقة عُمان، إذ كانت قبل فترة متحفظة فيما يتعلق بتأثير التدفق السياحي، ونراهم الآن أصبحوا منفتحين، وقدموا حوافز وبرامج تطوير للمرافق السياحية، وبرامج الاستقطاب السياحي، وللترويج وللتسويق، ودبي معروف أنها بنيت على السياحة، وهي أكبر مثال عندنا في الخليج، وهذا الإنجاز قائم على السياحة، وعلى أساس الملايين الذين يتدفقون، فأدى ذلك إلى نمو القطاعات الأخرى الإنتاجية والخدمية.
فالصورة بالنسبة للمشروعات السياحية بالخليج أصبحت الآن مواتية، ولا أعتقد أنها تشكل تحديا للبحرين، وكما ذكرنا، فالمملكة كانت رائدة، لكن الآن كل دول الخليج دخلت في السباق، لذلك يجب أن نأخذ هذا بعين الاعتبار ونستفيد من هذا الزخم، والسياحة حلقة متداخلة، فالسائح الذي يأتي من بلد معين بعيد من الأفضل أن يزور أكثر من موقع، فالمطلوب هنا، وأنا لا أميل إلى كلمة التنسيق، بل على العكس، المنافسة جيدة، لكني أميل إلى عملية التعاون لاستقطاب مزيد من الجهود والتكامل، والفيزا الخليجية الموحدة خطوة جيدة جدا ولابد منها، وهي مهمة، ونتمنى أن تأتي العملة الموحدة أيضا قريبا.. انظر إلى دول المجموعة الأوروبية، كلها تهدف إلى زيادة حجم ودور القطاع السياحي، ومساهمته في الاقتصاد الوطني والنشاط الاقتصادي.
والبحرين كانت رائدة، ولديها كذلك ميزة قد تسبق غيرها، وهي وجود منتج يتمثل في الإنسان البحريني، كيف عرفنا هذا؟ لأن كل مكان نذهب إليه ونختلط فيه بدول الخليج والخارج، نراهم يتحدثون عن هذا الإنسان البحريني، فهو عنصر جذب، لذلك يجب أن نستغل هذا العنصر، وهل فعلا هذا الإنسان البحريني مستثمر بطيبته وبسماحته وبقبوله من الجميع؟ على سبيل المثال أنت حينما تتحدث مع أشقائنا في السعودية فأكثر شيء يذكرونه عن البحرين هو علاقتهم بالبحرينيين الموجودين، إذًا هذا منتج يجب أن نهتم به، والدولة ستقوم بالواجب في هذا الإطار.
نلاحظ أن بعض دول الجوار بسبب الانفتاح أصبحت قاطرة في قضية التحفز في الخروج من النمط أو الوضع القديم، لكن بعض دول الخليج وقد يكون منها البحرين، لا نرى لديها هذا التنافس أو التسابق في هذا الجانب لأسباب كثيرة، لعلك تتطرق لها، أين ترى الفجوة بين هذين السباقين إن صح التعبير؟
- الزخم المطلوب الذي يجب أن يركز عليه الجميع، هو أولا سهولة التنقل وسهولة الدخول إلى هذا البلد السياحي، أي الوجهة، وأيضا توفير المرافق الأساسية والمهمة لاجتذاب وتسهيل عملية دخول هذا السائح، وبعض الدول تجد أنها تعطي حوافز ومشجعات أكثر، خصوصا بالنسبة للقطاع الخاص، ونحن كوننا مستثمرين ومساهمين ولاعبين أساسيين، لا تنحصر مهمتنا فقط على الاستثمار، بل إن القطاع الخاص لاعب أساسي، وهذا شيء يدعو إلى التفاؤل.
الدولة وضعت في برنامج الحكومة منذ العام الذي أطلقت فيه الاستراتيجية، على ما أظن في العام 2000، و2006 أول استراتيجية سياحية وضعتها كانت تركز على دور القطاع الخاص، ومسؤوليته وأهميته. لكن عندما تأتي إلى الواقع، نجد أنه لم يتم تفعيل آلية معينة تسهل دخول، واندماج، ومشاركة، ومتابعة القطاع الخاص، بينما تجد أحيانا وتسمع بعض التحفظات، والتخوفات، والشكاوى من أشياء عدة، نحتاج النظر إليها. أعتقد أن المطلوب اليوم، أن الغرفة التجارية لها دور أساسي، ويجب أن تلعب دورها، ويجب أن تطرح رأيها، بل يجب أن تستخدم أحيانا "عضلاتها" كوسائل ضغط، إن صح التعبير.
أين تموضع البحرين في خضم هذا الزخم، في التسابق ضمن الملف السياحي الخليجي؟
- أولا، البحرين تتمتع بصفة الريادة، والكل يعرف ذلك، ثانيا تتمتع بالعنصر البشري، ما عدا ذلك فهي تحتاج إلى أن تستوعب الآن المعطيات، والظروف، والتحديات الموجودة في السوق السياحية. الآن دخلت المنافسة مع منافسين أقوياء، وأحيانا من السهولة أن نلوم الدولة، ولكن في الوقت نفسه يجب أن ندرك أن عملية المنافسة قوية، أنت مع لاعبين أقوياء بموارد ضخمة، وموارد جغرافية، والأهم الموارد المالية؛ لأنها تحرك كل شيء، فلذلك مطلوب من الدولة أن تلحق وتكون في هذا الركب، وتواكب هذا التحرك، مستفيدة من إنجازاتها وميزاتها التي تملكها، وغيرها لا يملكها.
لعل من السهل أن نقول أن تستفيد البحرين وعليها أن تواكب، ولكن من أي زاوية؟ وكونك مراقبا ومستثمرا في هذا الجانب وأنت صاحب تخصص، كيف للبحرين أن تضع قدميها وتبدأ طريق المنافسة، مع الأخذ بالاعتبار الموقع الجغرافي، والحجم الجغرافي، ثم القدرات المالية، وأنت ذكرت القدرات البشرية، فكيف يمكن للمملكة أن تكون على خط التنافس مع هذه التحديات التي تواجهها؟
- أعتقد أن من أهم الأشياء التي يمكن أن تتبناها الدولة، الآن بشكل سريع، هو استنفار دور القطاع الخاص، بأن يدخل ويتفاعل، وتحفيزه والاستماع إليه.
هذا ما نحتاجه اليوم؛ لأن القطاع الخاص مهم جدا، والكل أدرك دوره، فالآن نسمع في كل دولة مثل السعودية وغيرها من الدول، أن هناك غرفة عمليات مكونة من فعاليات القطاع الخاص ومن الجهات المعنية في الدولة. الآن على مستوى القيادة وعلى مستوى الحكومة عموما، فالتوجيهات موجودة، والنية والعزيمة، ولكن نحتاج إلى تفعيلها بشكل ملموس، ولو راجعت الاستراتيجية التي طرحتها الدولة، ستبدو كأنها مجرد قائمة بالتمنيات، بالمقابل أنت تريد أن تكون القائمة مدعومة بأرقام حقيقية وبمتابعة فيها الكثير من المصداقية.
بلى، هناك مؤشرات، لديهم مثلا أن السلطة التنفيذية تذكر أن لديها مؤشرات كذا، وترصد لك عدد المسافرين والسياح، لذلك توجد أرقام صحيحة، فما الأرقام التي يحتاجها القطاع الخاص؟
- أعتقد أن كل هذه الأرقام تحتاج إلى مراجعة ومتابعة، فعلى سبيل المثال كان على حسب الخطة الموضوعة أن الدخل من السياحة سوف يكون مليار دينار في العام 2000 - 2022، والمحقق مليار ونصف، وقد وضعت الجهات المعنية في 2023 مليارا ونصف ولم نسمع أن هذا الرقم تحرك إلى الأكثر، ولم نسمع كيف استطاعت الدولة أن تستفيد من هذه الأرقام لتحفيز القطاع الخاص، وهذا يشكل قوة دفع ذاتية للقطاع، فإذا كنا نشتكي من عدم وجود قوة الدفع المطلوبة، فهناك قوة دفع ذاتية لوحدها تثبت، مثلا زوار البحرين، فنحن لدينا سوق قد لا تتوافر لغيرنا، ومثلا السعودية إذا لم تخني الذاكرة وكنت دقيقا، فإن 80 % من السياحة التي تردنا منها بحد ذاتها سوق جاهزة موجودة، مهما يحصل من تطورات لدى الشقيقة السعودية؛ لأن بعض الناس متخوفون من أن المشروعات القائمة في السعودية والانفتاح يؤثر على البحرين، وهذا لن يؤثر على السياحة في البحرين بل بالعكس، سوف يزيدها وستصبح السياحة متبادلة، وسيذهب بحرينيون للسياحة في السعودية، وهذا شيء إيجابي جدا ومحفز ووجوده ليس مثبطا. المطلوب أن تكون المواكبة موجودة وتحتاج لدراسة مستمرة، وأرقام، ومتابعة، وحوافز، وتسهيلات، وعلى سبيل المثال فهذه المشروعات المطلوبة تواجه صعوبة من أجل الحصول على الموافقات المطلوبة لتنفيذ المشروعات السياحية والعمرانية، هذه الآلية أو الإجراءات طويلة أكثر من اللازم، وتحتاج إلى مراجعة والكل يشتكي منها، والكل على العلم بوجودها، لكن إلى الآن لم تتخذ إجراءات حاسمة لتسهيل هذه الإجراءات لكل المشروعات؛ لأن التحديات إذا أخرجت المستثمر المحلي وجعلته يتردد فكيف إذا كان المستثمر أجنبيا؟! رأس المال يخاف؛ لأنه يريد مردودا. كيف نجذب القطاع الخاص؟ هل عملنا دراسة؟ ما المردود الذي سيحصل عليه القطاع الخاص مقابل هذه المشروعات؟ هل هناك برامج محددة أو مشروعات محددة مطروحة مع دراسة جدوى، ما الدخل المطلوب وتحفيز المساهمين للمشاركة فيه؟ في حال وجودها فتحتاج إلى مزيد من التسويق والترويج ليدركها الناس؛ لأننا أحيانا عندما نسافر في المنطقة، نرى أن هناك تصورا بوجود بطء في الحركة لدينا هنا في البحرين، هذا التصور سواء كان صحيحا أم خاطئا، يجب التصدي إليه، وأن نثبت أنه تصور خاطئ، وأن البحرين قادرة؛ لأن حجمنا يسمح لنا بالحركة السريعة ولدينا الكفاءات والإمكانات. صحيح أن العوائق المادية هي من العوائق الكبيرة التي نواجهها، لكن كل مشكلة نستطيع حلها، والدولة قادرة على إيجاد الحلول، وأعتقد أن القطاع الخاص هو خزينة موجودة من الموارد التي من يمكن أن تستقطبها الدولة بعد الحصول على الثقة، والضمانات المطلوبة، وبعد الحصول على الدراسات المطلوبة، وهذا يتطلب كما ذكرت أن يكون هناك نوع من غرفة العمليات المستعجلة.
أعجبتني فكرة غرفة العمليات، وبالحديث عن التعبئة، إذا جئت لك وقلت يا "أبو مشعل" نريدك أن تستثمر معنا، مثلا الدولة لديها مرافق سياحية تحتاج تنميتها أكثر، كالغرف الفندقية، فهناك هدف في استراتيجية 2026 برفع نسبة الغرف الفندقية، ماذا تحتاج أن تسمع أنت كونك مستثمرا، من الجهة الحكومية التنفيذية، كيف ترفع نسبة الثقة بالنسبة لك لتجعلك تضع رأس مال وتستثمر في هذا الجانب؟
- أعتقد أن هناك حاجة لوجود خطة واضحة مبنية على استراتيجية واضحة تعطي الأرقام المطلوبة والإسقاطات، وليس من الصعب إعداد الإسقاطات كاملة للسوق ومستقبلها، وأين سنكون بعد 10 سنوات، لحد 2026 جيد، لكن ما الخطة بعد ذلك؟ من المهم وضع الخطط التي تعمل على مدى 15 سنة، وبهذا الشكل نستطيع أن نتصدى للمعوقات، مثل تسهيل دخول السياح، وأعتقد أن هذا موضوع يجب أن يعاد النظر فيه كقضية البُعد والتأشيرات والفيزا. الحمد لله نحن بلد مستقر الآن، ويعم فيه الأمن والأمان، ولدينا كفاءات وقدرات أمنية قوية ولا يستطيع أي شخص أن يستصغر هذه الإمكانات والخبرات التي اكتسبناها، لذلك من الواجب أن تكون لدينا الثقة الكاملة، ويجب أن يكون لدينا المراقبة الموجودة، لا أريد أن أشير إلى أي بلدان معينة، لكن انظر إلى دبي، يوجد بها الضبط الأمني، ومع ذلك فالدخول إليها مفتوح وميسر ومسهل، ونحن لا تنقصنا الإمكانات، والحمد لله البحرين الآن تتمتع باستقرارها وبأمانها بكل ما يحتاجه السائح لأن يأتي، ولدينا أجهزة أمنية ذات كفاءة عالية، ولدينا الآن التكنولوجيا، ونحن لا نخشى من أحد، فالأجهزة قادرة وكل شيء مراقب، وأصبحت القضية الأمنية مسيطر عليها.
إذا كان العائق الأمني في وجهة نظرك ليس المشكلة، فأين المشكلة في البحرين؟ على سبيل المثال قطر في مشروع الجسر البحريني القطري، ولديك الجسر بين البحرين والسعودية، فالبحرين ستصبح كأنها معبر حقيقي، وهي جزيرة لكنها معبر حقيقي، أنت في وجهة نظرك إذا كان باستطاعة الدولة أن تتحكم في البعد الأمني وتديره بشكل ممتاز، ما الجوانب التي ترى أن الحكومة تحتاج أن تركز عليها لتحفيز القطاع الخاص للاستثمار؟ لأن هناك مقولتين، مقولة تدعونا لنستثمر من القطاع الخاص المحلي، وهناك مقولة أخرى بأن نأتي برؤوس الأموال العابرة للقارات، بمعنى أن تأتي مؤسسات دولية تستثمر في البحرين في مشروعات مليارية، كيف تراها أنت من وجهة نظرك كمراقب؟
- أرى أن من أسباب جذب المستثمر الخارجي أنه يجب أن يكون المستثمر الداخلي في المقدمة؛ فإذا لم يكن مستثمرك الداخلي في المقدمة، فكيف تتوقع أن يأتي من في الخارج ليساهم؟! ما نحتاجه هو نوع من التفاعل والارتباط مع القطاع الخاص، وهذا البعد هو المفقود، بمعنى أن مؤسسات القطاع الخاص لديها انطباع بأنها تفتقد خطوط التفاعل المتواصل مع الدولة وأجهزة الدولة، والتواصل هو أن تكون أبواب المسؤولين مفتوحة أكثر، فالتفاعل مع المسؤولين والمواطنين واجب، خصوصا المستثمرين، لذلك يجب أن يكون هناك حوار مستمر، وليس الاجتماع مرة واحدة والتغيب لأشهر ونعود من جديد، ويجب أن نراجع ما حققناه وما لم نحققه، خصوصا بالنسبة للإجابة عن بعض الأسئلة التي هي محور تساؤل، مثل تساؤل الجميع عن رأس المال، إذًا نحتاج إلى الاطمئنان وتأكيد الجدية والاهتمام وهو موجود، وما ينقص هو آلية تفعيله وآلية وضعه في الميدان، هذه النية الصافية الموجودة سوف أطلق عليها توجهات وليست استراتيجيات في إطار خطة العمل، هل تحققنا لماذا لا يعلم القطاع الخاص بشأن التوقعات التي وضعت؟ هل تخطيناها، أم إن بعضها لم نبلغه؟ وهذا لا يشكل عيبا، ويجب مراجعته، ويجب أن تكون الرؤية مشتركة، ومشاركة القطاع الخاص فيما يتعلق بالاستراتيجية من مرحلة التكوين، وليس من بعد إطلاق الاستراتيجية لتنفيذها؛ من أجل الشعور بالملكية، وهذا يعد الأسلوب الأمثل، ويجب أن تبنى الاستراتيجية عن طريق مشاركة القطاع الخاص وغرفة التجارة، التي يجب أن يكون لها دور أساس وفعال.
ذكرت قبل قليل، أنه ينبغي أن تستخدم "الغرفة" عضلاتها.. كيف؟
- لا يوجد خطأ هنا، وهذا بمعنى ممارسة الضغط، فهو شيء إيجابي في المجتمع، وجميعنا نحتاج أحيانا أن نواجه الضغوطات، وهذه "الغرفة" مؤسسة عريقة وقوية وقائمة بانتخابات، ولديها ممثل، وفي حال عدم السماع إليها يُرفع الصوت أكثر. نحن الآن في مسار أن يرتفع الصوت لإيصال رسالة.
هل تسمح لي "أبو مشعل" أن أنزل معك في العمق الآن، سوف أطرح عليك أسئلة لتجيب عليها من منطلقين إن صح التعبير، كأنك ترتدي قبعتين، واحدة أنك رجل مستثمر في هذا الجانب ومتخصص في الجانب السياحي، والثانية أنت رئيس مجلس إدارة تحرير صحيفة، بمعنى أنك تمثل سلطة رابعة ومراقبا. فلو سألتك بعض الأسئلة لنتعمق قليلا، هل لديك رؤية واضحة كيف ستكون البحرين سياحيا بعد 10 سنوات، نعم أم لا؟
لا؛ فلتكوين هذه الرؤية تحتاج إلى مجموعة من الركائز والمرتكزات والحقائق والأرقام والدراسات لتبني عليها، وإلا عُدنا إلى الأحلام.
هل ترى استراتيجية واضحة ومطمئنة للقطاع الخاص لأن يستثمر في هذا الجانب؟
- في هذه الناحية تحتاج أن تضمن أولا أن هناك النوايا والإرادة للتحقق، وفي تصوري أن النوايا الحسنة موجودة والإرادة عند الدولة والقيادة، لكن بقي تفعيلها، وإذا لم تفعل فلن تبنى مكوناتها التي أشرنا إلى بعضها، فكيف نتوقع؟ فالإجابة قد تكون نعم، إذا أكملنا بعض هذه الثغرات الموجودة، التي بالإمكان أن تسد.
الاتصال والتواصل أو مثل ما أطلقت عليها التعبئة أو غرفة التحكم، عدم وجودها مضر أم نافع، أو هل ترى أن وجودها نافع؟
- وجودها أساسي، وليس فقط نافعا، فالمشاركة في اتخاذ القرار محسومة منذ زمن، والتفرد باتخاذ القرار حتى من الأجهزة المعنية الحكومية المسؤولة، فهذا الشيء تشكر عليه، ولكن مثل ما ذكرت تضيع هذه الفكرة ويصعب تطبيقها إذا افتقدت عنصر المشاركة، نحن نريد أن نقول هذه استراتيجيتنا، واستراتيجية الوطن والمجتمع ككل، نشعر كل عناصر المجتمع بهذه الأشياء، وبالعكس هذا يعطي زخما أكثر ويخلق ثقة أكثر حتى لدى المستثمر الأجنبي.
جميل.. إذا عرض عليك أن تستثمر في مشروع من المشروعات بالوضع الحالي كونك مستثمرا في القطاع السياحي، هل تستثمر أم لا؟
- نعم أنا مثل غيري، ولست من المستثمرين في هذا القطاع بشكل مباشر، لكن المستثمر مستعد لأن يتقدم، والمستثمرون كلهم موجودون، والموارد المالية لدى رجال الأعمال والتجار والقطاع الخاص ليست قليلة وليست هينة، لكن التاجر يريد من يستقطبها ويوجهها. أعتقد أن هذه الثغرات يجب أن تسد، ونحن نتحدث عن الاستعجال في الأمر، ونحن مرغمون شئنا أم أبينا؛ لأن المنافسة الإقليمية ستفرض علينا ويجب أن نواجهها.
نعم، أي مستثمر عليه أن يثق أن هذا سوف يحصل عاجلا أم آجلا، وليته يكون عاجلا؛ لنستطيع أن نواكب ونلاحق هذه السوق الحاصلة والاستفادة من المزايا التي ما نزال نتمتع بها، على سبيل المثال عندما تذهب إلى محل الحلوى البحرينية، ترى أنها مشهورة في أي دولة خليجية، على الرغم من أن العمانيين متقدمون علينا في الحلوى، لكن الحلوى البحرينية لديها ميزات، فالمرتكزات والمؤهلات التي تأهلنا لا يجب أن نتردد في استخدامها وتحفيزها.
سؤال ما قبل الأخير، البحرين كونها جزيرة، لو طرح عليك أن تشارك في عمل استراتيجية، في اعتقادك ما الهوية السياحية التي تراها للبحرين خلال 15 سنة؟
أعتقد أن العمق التاريخي، الأصالة والانفتاح، هذه العناصر الثلاثة أساسية، ونحن لدينا ولله الحمد عمق تاريخي، واعتزاز بالأصالة،وهذا شيء جيد أن نستمر عليه، ولدينا التوجه إلى الانفتاح، حيث نعتبر من أولى الدول التي تقبلت فكرة الانفتاح واشتهرنا بذلك في المنطقة، نحن نملك هذه العناصر بالفعل، ومن المؤسف أن تكون لدينا كل هذه الإمكانات والمرتكزات ولم نسارع في الاستفادة منها وتجنيدها وتحفيزها واستغلالها لخدمة الهدف، وهو السياحة المطلوبة، فيجب أن توضع أهداف محددة، ويجب ألا تتحمل الدولة لوحدها تحقيق الأهداف.
السؤال بالضبط الذي كنت أريد أن أختم به هذا اللقاء، ماذا إذا أتيح للقطاع الخاص أن يأتي باستراتيجية موازية ويصبح هناك حوار صحي ومتنام بين الطرفين، والأصول التنفيذية لديها ملفات كثيرة شائكة بالوضع الاقتصادي، خصوصا أن الآن الوضع متأزم بالأبعاد التي ذكرناها، فماذا إذا أتيح للقطاع الخاص أن يضع له استراتيجية من وجهة نظره، هل تؤيد هذا وكيف تراه؟
- من الضروري الآن عدم وضع العبء كله على الدولة في تحقيق الأهداف، فنحن جميعنا مسؤولون عن تحقيقها، لكن الدولة لها دور في ذلك، فالدولة منذ 2006 تقدمت لنا ببرامج "استراتيجية" أُطلقت عليها سواء أكانت التسمية صحيحة أم لا، وأتت لنا ببرامج وبـ "الإستراتيجية السياحية" من 2022 إلى 2026، وجاءت لنا "بخطة التعافي"، و "استراتيجية قطاع السياحة" أيضا موجودة.
إذًا، أين مخرجات القطاع الخاص؟ والسؤال هو أين وصلنا الآن؟ كقطاع خاص أين الدراسات، أين البحوث، التي تمت، أين الجواب الذي قدم للدولة، هل تم تقديم هذا الشيء؟ ربما ليس لي علم بذلك، والجهد الموازي من القطاع الخاص هو أنه يجب أن تكون لدينا استراتيجية في القطاع.
حسنا، ومن المسؤول عن إعداد هذه الاستراتيجية؟ غرفه التجارة هي "العضلة" التي ذكرتها، وهي الوحيدة التي لديها الإمكانات، والموارد المالية، ولديها القدرة أن تجمع هذا القطاع أو الفعاليات العاملة في هذا القطاع وتناقش معهم، كيف يمكن لنا أن نحقق هذه الأهداف التي وضعتها الدولة، على الرغم من أنها وضعتها من دون استشارتنا، كيف يمكن أن نضع استراتيجية ربما تكون أكثر عنفوانا مما وضعته الدولة، فالمسؤولية تقع علينا جميعا، الدولة والمجتمع، القطاع الخاص يجب أن يلعب دوره، أن يتحمل مسؤوليته، أن يساند جهود الدولة، وأن يتقدم على جهود الدولة، فالميدان أمامه، دعنا نتقدم ونأخذ مبادرات ونطرح مشروعات توازي وتواكب وربما تفوق ما وضعته الدولة من أهداف.
